المثال الصيني للتخلص من «لعنة الفقر»

قرية هايتشيوه بمحافظة خهتشانغ التابعة لمقاطعة قويتشو، هي قرية جبلية كانت تعاني من فقر شديد، وسبق أن سميت «القرية الأفقر في الصين»، ففي عام 2012 كان المتوسط السنوي لدخل الفرد في القرية أقل من 600 دولار أمريكي، لكن المتوسط السنوي لدخل الفرد في القرية بلغ 3000 دولار في عام 2020، وذلك من خلال تطوير صناعات خاصة، مثل إنتاج التفاح والفطر والدجاج المنتج للبيض والسياحة وغيرها، فقد تخلصت القرية من الفقر بشكل نهائي وقاطع، وسارت على طريق الثراء. وهذه الحالة ليست سوى صورة مصغرة لتخلص 120 ألف قرية فقيرة بالصين من الفقر في السنوات الأخيرة.

في الـ 25 فبراير الماضي، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ رسمياً «تخلص 98.99 مليوناً من سكان القرى الصينية و832 محافظة و 128 ألف قرية من الفقر بشكل كامل، وأكملنا بذلك مهمة القضاء على الفقر المدقع، واستطعنا إنجاز أهداف الحد من الفقر الواردة في «خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030» بـ 10 سنوات قبل موعدها».

 في غضون 8 سنوات، تخلص أكثر من 98 مليون صيني من الفقر، أي بمعدل تخلص أكثر من 10 ملايين إنسان من الفقر كل عام. وبغية تحقيق هذا الهدف العظيم، أصدرت الحكومة المركزية الصينية وصفة «مساعدة الفقراء بتدابير محكمة وهادفة»، وقد اضطلعت الحكومات المحلية بمختلف مستوياتها بمسؤولياتها، وتسلح «الكوادر القاطنون بالقرى» جيداً لهذه المهمة، وبادرت مختلف قوى المجتمع مع أول إشارة، وتردد على عموم التراب الوطني صدى طبول معركة صارمة، للتخلص من الفقر بقيادة وتحريك من الحكومة ومشاركة من المجتمع بكامله.

لقد اتخذت مختلف المناطق إجراءات تناسب ظروفها المحلية، فأظهر الجميع قدراتهم الكبيرة، من خلال نماذج مختلفة لمساعدة الفقراء، شملت على سبيل المثال: «مساعدة الفقراء من خلال الصناعات»، «مساعدة الفقراء من خلال التعليم»،«مساعدة الفقراء من خلال الخدمات المالية»،«مساعدة الفقراء من خلال الترحيل إلى أماكن أخرى»، «مساعدة الفقراء من خلال التجارة الإلكترونية».. إلخ، وتمخض عن ذلك رسم مشهد مهيب ثمثّل في التخلص من الفقر في جميع أنحاء الصين. وقد أصبحت «مساعدة الفقراء بتدابير محكمة وهادفة» و«الكوادر القاطنون في القرى» و«مشاركة المجتمع بكامله» أهم الكلمات الدلالية في هذا المشهد، وهي محور الأسرار في تحقيق هدف التخلص من الفقر.

كيف تحقق الهدف؟ لقد صاغت الحكومة المركزية برنامجاً شاملاً حول «مساعدة الفقراء بتدابير محكمة وهادفة»، وأظهرت تخطيطاً عالي المستوى، فقد ترأس الرئيس الصيني شي جين بينغ، لسبع مرات متتالية، اجتماع عمل الحكومة المركزية، لمساعدة الفقراء، وأجرى أكثر من 50 زيارة تفقدية، للوقوف على مدى تطبيق الخطة، وقد أصبحت «مساعدة الفقراء بتدابير محكمة وهادفة» برنامجاً شاملاً وكبيراً في مجال عمل الحكومة الصينية على مساعدة الفقراء، وهو برنامج يهدف إلى استخدام طرق تنموية، للقضاء على جذور الفقر، وشق طرق دائمة لرفع مستوى الدخل، تقوم على مبدأ «علمه كيف يصطاد سمكة» بدل الإجراءات المؤقتة المتمثلة في «إعطائه سمكة». ويترجم البرنامج من خلال الممارسة العملية المتمثلة في «سياسة خاصة لكل قرية، سياسة خاصة لكل أسرة»، وبناء آليات فعالة ودائمة، للتخلص من الفقر، وتحقيق دخل جيد للأسر.

من يتولى المهمة؟ «الكوادر القاطنون في القرى» هم رأس الحربة في هذه المهمة، إذ أخذت الحكومات المحلية، بمختلف مستوياتها، على عاتقها مسؤولية مساعدة الفقراء، وبعثت بكوادر مؤهلين، لتحمل المسؤوليات، ليقيموا في القرى، ويوجهوا أعمال التخلص من الفقر، وهو ما عكس القدرة التنفيذية للحكومة وتحملها للمسؤولية، فهناك 3 ملايين كادر من كوادر الحكومة المركزية والحكومات المحلية في مختلف المناطق، اتجهوا إلى القرى الفقيرة، وعاشوا وسكنوا فيها، مجسدين نكران الذات والتفاني في العمل، وتعميق البحث ووضع سياسات علمية، وأصبحوا قوة الطليعة في المعركة الصارمة، للتخلص من الفقر، حتى أن أكثر من 1800 شخص منهم بذلوا أرواحهم في خضم هذه المعركة.

على ماذا تعتد الخطة؟ «مشاركة المجتمع بكامله» هي طريق تحقيق النصر، لأن المعركة الصارمة ضد الفقر هي معركة الشعب بكامله. 

في العام الماضي 2020، تعرضت كميات ضخمة من المنتجات الزراعية في بعض الدول إلى التلف، بسبب الركود الناجم عن جائحة «كورونا»، أما في الصين، فقد التحقت منتجات المزارعين، في ظل الوباء، بقطار سياسة الحكومة الرامية إلى التخلص من الفقر، وبذلك شهدت رواجاً في جميع أرجاء البلاد، بالسرعة الصينية، فالعالم بات ينظر نظرة جديدة إلى «التجارة الإلكترونية في الصين»، و«التسويق عبر منصات البث المباشر»، أما المواطنون الصينيون على عموم التراب الوطني، فكانوا حريصين على تحمل رسالة «مشاركتي في مساعدة الفقراء»، من خلال شراء المنتجات الزراعية الخاصة بالمناطق الفقيرة، عبر الإنترنت. وتحركت الحكومة وعملت في السوق بكفاءة، وقام المجتمع بواجبه، وكان ذلك طريق النصر في المعركة الصارمة للتخلص من الفقر.

الفقر معضلة عالمية، وبطريقتها الخاصة، قدمت الصين حلاً لـ«لعنة الفقر»، وأسهمت في أعمال الحد من الفقر على مستوى العالم، وهذا الإنجاز انعكس إيجاباً على حق الحياة، وحق التنمية بالنسبة لمئات الملايين من الأشخاص.

* القنصل العام الصيني في دبي​
 

طباعة Email