سوريا والدخان الأبيض

عشر سنوات مرّت على الحرب في سوريا وعليها، ورغم عودة الاستقرار إلى معظم الأراضي والمحافظات السورية، ما زال في الجرح بعض النزيف، ولكن ما زال في القلب نبضه، وبقي في الجعبة الكثير لعمله وصولاً لبلسمة الجراح، من دون الحاجة لاجتراح المعجزات.

عشر سنوات، جزء منها كافٍ ليستخرج السوريون، من كل ألوان طيفهم، دروساً تنفع لقادم الأجيال. أول هذه الدروس أن التدخّل الأجنبي في غالبيته لم يكن حلاً بل جزءاً أساسياً من المشكلة. لم يكن ذلك التدخّل لمصلحة السوريين، إنما حوّلهم إلى جسر لعبور مصالح جهات لا تريد الخير لسوريا وشعبها، مهما تزيّن بماكياج الشعارات.

عشر سنوات كافية لكي يدرك السوريون أن لا حضن لهم، بعد وطنهم، سوى الحضن العربي، فهو الذي يستمد من إرث أمة عريقة رداء الدفء وصدق العاطفة تجاه قلب العروبة النابض وشعبها الأصيل، والفقرة المحورية في العمود الفقري للأمة، والقم المؤسس للأبجدية العربية.

الآن، وبعد هذه السنوات العجاف، بات السوريون أمام استحقاق الضمير والمصير، وأمام السؤال التاريخي بكلمته السحريتين: ما العمل؟ الإجابة لا يعجز عنها أبناء سوريا طالما توفّرت الإرادة وأحسنوا استخلاص العبر والدروس.

العمل المطلوب على مراحل يمكن تكثيفها استناداً لدروس التجربية. وهو يبدأ من السوريين أنفسهم، من خلال إعادة ترميم البوتقة الواحدة، ومعالجة تقرّحات زمن الحرب، توطئة لمسار سياسي يحمي سوريا من مصير الدول التي حوّلها الربيع الظلامي التكفيري إلى فاشلة بـ «امتياز».

الحل السياسي يحفظ سوريا ويحمي عروبتها ويجددها ويأخذ بالاعتبار أساساً مصلحة شعبها وحقوقه، ارتباطاً بإرادته الحرة والأصيلة. هذا الحل لديه مفتاح أممي توافق عليه السوريون، وهو يحظى بمظلة عربية تهيأت مؤخّراً، وباتت قادرة على مساعدة السوريين في إخراج المشهد الذي يليق بتضحياتهم وتاريخهم.

التحرّك العربي الذي شهدناه مؤخّراً يهيئ الأجواء لعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وهي خطوة من شأنها أن تخدم الحل السياسي ويقطع الطريق على الأيدي غير العربية، وبالتوازي مع تشابك أيدي السوريين، يمكننا رؤية الدخان الأبيض يتصاعد من مدخنة الشام.

طباعة Email