عالمنا والفلسفة

ليس هناك عين بصيرة قادرة على رؤية ما وراء الوقائع، وتقديم رؤيا لمستقبل الوجود الإنساني، كعين الفلسفة وعين الفيلسوف. وآية ذلك أن العقل الفلسفي يكشف الكلي المستور وراء الوقائع الجزئية، ولأن الفيلسوف لا يملك أسئلة جاهزة، فإنه لا يملك أجوبة جاهزة.

ولأنه مكتشف السؤال، وينطق بالأجوبة غير المألوفة، ويبني علاقة حميمة مع اللغة التي تمده بالمفهوم، فإنه يواجه عقول الأجوبة الجاهزة عن الأسئلة القديمة، سكان المفاهيم المتحجرة التي فقدت حيويتها وقدرتها على تزويد الفهم بأدوات معرفية بمفاتيح المعرفة.

وأكثر أعداء الفلسفة عنفاً هم سدنة الوعي العامي وحراس الجهل المقدس، لأن الفلسفة، بما أوتيت من قوة العقل الواقعي والواقع العقلي، تدك أعتى القلاع التي يتحصّن فيها الوعي العتيق.

لقد ولدت الفلسفة من رحم الحق والخير والجمال، ومن الأسئلة عن ماهيات هذه العوالم، التي لا يستطيع البشر العيش خارجها وبدونها، إلا إذا انتقلوا من مملكة الإنسان إلى مملكة الحيوان.

فالحق والحقيقة، والعلم والمنطق، والخير والسعادة، والجمال والإبداع، هي المفاهيم العامة التي تحكم وجودنا البشري، بل وهي التي تمنحه صفة البشرية. وهي مفاهيم مترابطة وتولد مفاهيم أخرى من جنسها.

فمفاهيم المساواة والعدالة والإنصاف، ليست إلا ثمرة الاعتراف بالحق العام للبشر، لكن هذه المفاهيم المرتبطة بالحق، لا تقود إلى التشابه ونفي الاختلاف بين الأفراد، الذي لا تحد صوره ولا تعد، ولا تنفي التعينات المختلفة للحقوق.

فروح العبودية، التي سرت في عروق هذا وذاك، لها الحق في التحرر من عبوديتها، لكن هذا الحق لا يساوي بين الأرواح، فروح العبد الخانع الخادم، ليست هي روح الحر المتمرد، وإن كان العبد والحر متساويان في حقل الحق في الحرية. والحق في التفكير، لا ينتج عنه مساواة بين الذي يفكر والذي لا يفكر. والحق في الوعي والتعبير عن الوعي، لا يخلق كائنات متساوية في درجة الذكاء. وشتان بين الوعي القطيعي والوعي المتفرّد.

المجتمع ليس عادلاً في توزيع الثروة، والمصادفات ليست عادلة في الحدوث.

إن البشر لا يتساوون إلا في الحق بالحياة، وفي خياراتهم الحرة في نمط الحياة وأسلوبها. إن الفاشيين والطغاة وأصحاب الأيديولوجيات الشمولية الدينية والدنيوية، المدافعون الأشرس عن التشابه الذي يعجبهم، ويحقق أهدافهم، ويحافظ على ملكهم السلطوي، ولهذا هم أعداء الفلسفة بلا منازع. وما مثقف التشابه إلا مثقف سلب الحرية وماهية الحياة، وما الاختلاف إلا جوهر الحرية.

ولأن الفلسفة هي عقل الواقع والكشف عما يستره من حقيقة، فإنها عقل الاختلاف وامتلاكه نظرياً، لأن الواقع بالأصل هو المتعدد والمتنوع والمتغير والمتطور والصائر. وعليه، إن لم يكن العقل عقل هذا، فليس عقلاً بماهيته، بل صورة مزيفة له.

وليس مصادفة أن صار المنطق ومبحث الجمال وفلسفة العلوم و«الإبستيمولوجيا» مباحث فلسفية إلى جانب مباحث القيم الوجود والمعرفة.

فمن ذَا الذي باستطاعته اليوم أن يفهم السيرورة التاريخية للبشرية كلها، أو لحضارة من الحضارات، أو يتوقع المصائر المحتملة لمسار التاريخ، من دون أن يستند إلى معرفة بفلسفات التاريخ؟

فإذا كان العلم يوظف سلطة الطبيعة وقوانينها لخدمة البشر، فإن الفلسفة تكشف عن الخطر الأخلاقي لهذا التوظيف، وإذا كان الشعر يحرر الروح من مللها وروتينها، فإن الفلسفة تحرر العقل من أسر الانصياع لأية سلطة تنال من الذات الحرة.

من ذَا الذي بمقدوره أن يكتشف الأسئلة الناتجة اليوم عن عالم التقنية، الذي نغرق في بحره؟ ومن القادر على أن يجيب عن مصير الإنسان في هذا العالم المعقد، أيما تعقيد، من دون أن يتزود من الفلسفة بالمفاهيم؟ ومن دون أن يكتشف المفاهيم الأليق بهذا العالم؟

إن الفلسفة لم تكتف يوماً بدق أبواب الوجود المغلقة، بل هي الصانع دائماً لمفاتيح أقفال الوجود، لتفضح العالم المختبئ وراء الأبواب.

طباعة Email