عودة النظام العربي

تمثل إعادة التجديد للأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط بالإجماع لفترة ثانية مدتها خمس سنوات مسألة، لها دلالتها المهمة في طبيعة العمل العربي المشترك، الذي واجه حالة من الجمود السياسي على مدى قرابة عقدين من الزمان.

وجاءت أحداث ما كان يسمى ب«الربيع العربي» لتضع مستقبل «بيت العرب» على المحك، بسبب صعود بعض السياسيين من أصحاب الأفكار، التي تتعدى العالم العربي. وكُتِبَت حول عمل الجامعة وأداءها الكثير من مقالات النقد، بسبب عجزها عن مواجهة ما تتعرض له الدول العربية من تدخلات في شؤون أعضائها، وخصوصاً التمدد من قبل النظام الإيراني في سوريا والعراق ولبنان واليمن، إلى أن وصل الأمر إلى التشكيك في قدرتها على المستوى الشعوب، فتحول الحديث من إصلاح النظام العربي إلى استبداله بنظام إقليمي آخر.

ولكن هناك اليوم حالة من النشوة والرغبة في العودة إلى العمل العربي المشترك، بعدما استشعر الجميع أن الاستهداف الخارجي الإقليمي أو الدولي لا يقتصر على دولة دون أخرى، وإنما هي مراحل، خصوصاً أن الاستهداف تركز بشكل أساسي على الدول المركزية في الإقليم العربي مثل مصر والعراق وسوريا، إلى أن وصل الأمر مؤخراً إلى المملكة العربية السعودية، خصوصاً من قبل إيران، هذا غير الاستهداف الفكري من تنظيم «الإخوان» الإرهابي، ما يعني أن حالة الإجماع العربي في اختيار أبو الغيط ليست نابعة من فراغ، فمن الصعب أن يقول أحد إن المسألة إجرائية، وليس فيها هدف محدد.



لقد تعددت في الفترة الأخيرة مظاهر الرغبة العربية في تأكيد إرادتها للعمل الجماعي، فإضافة إلى حالة التأييد الكامل للأمين العام، كانت هناك زيارة مهمة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى السودان، الذي بات يعاني من تدخلات إثيوبية في حدوده، وكذلك بسبب إصرار أديس أبابا على ملء سد النهضة من مياه النيل، متجاهلة القلق المصري والسوداني من هذه التصرفات الأحادية، إضافة إلى المصالحة العربية، التي تمت في قمة العلا بإشراف المملكة العربية السعودية في يناير الماضي.

ورغم أنه من المعتاد أن يتحدث العرب عن ضعف الموقف العربي، إلا أنه في الوقت نفسه، لديهم قناعة وشعور بأن مجرد وجود هذا الكيان بحد ذاته يمثل قوة سياسية باستطاعتها الموازنة استراتيجياً مع الجوار العربي، أو حتى التهديدات الداخلية، التي يتم تغذيتها من الخارج، كما هو الوضع السوري واللبناني والليبي واليمني، صحيح أنها خلافات بين قوى داخلية، ولكن بفعل خارجي. وفي الحقيقة أنه من دون ذلك الكيان (جامعة الدول العربية) ومن واقع التجربة، فإن الثقل العربي يكاد يكون معدوماً، أو أنه غير مؤثر، لأن الرؤية المشتركة تكون غائبة، والمصالح تتجزأ.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإنه لو أضفنا إلى جانب العمل العربي المشترك، ثقل الدور المصري الدولي، وكذلك في أفريقيا، فإنه يمكننا الحديث عن دور سياسي عربي قادم تجاه ما يحدث في الإقليم، خصوصاً في ملفين اثنين يمثلان أهمية خلال هذه الفترة، الأول: وضع حد لحالة التمدد لدول الجوار داخل الأراضي العربية، بعدما اتسعت الدائرة خلال الفترة الأخيرة، لتشمل دولاً جديدة بعد أن كان الأمر مقتصراً على نظامين فقط.

أما الملف الثاني فهو إعادة بناء كتلة سياسية في مواجهة مواقف سياسية لبعض الدول الكبرى، كما هو الحال من التقرير الأمريكي حول مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي، أو حالة استغلال دول إقليمية لمواطنين من داخل الدول العربية في حروبها لتحقيق أهدافها التوسعية، خصوصاً أن حالة التشتت العربي أغرت الدول الأخرى لتصعيد مواقفها ضد العرب، وهو ما يحتاج إلى جبهة سياسية وإعلامية موحدة.

ختاماً، باتت هناك قناعة على المستوى القيادي والشعبي بأهمية لم شمل العرب، من خلال إعادة العمل المشترك، لتوحيد المواقف ولغة الخطاب السياسي.


* كاتب إماراتي

طباعة Email