الإنفاق الثلاثي الأبعاد بين الجهد والوقت والمال

عندما نستمع لحديث يتعرض لمصطلح (إنفاق)، فإننا نسمع عادةً طروحات تتناول موضوع إنفاق المال على وجه التحديد. هل يُعدُّ هذا الطرح صحيحاً أم خاطئاً؟ هذا الطرح يُعدُّ صحيحاً، لكنه غير مكتمل، ولكي يصبح مكتملاً، لا بُدَّ من التعامل مع مصطلح (إنفاق)، بشيء من الشمولية، على اعتبار أن عملية الإنفاق، تشتمل على عناصر أو أبعاد أخرى، ينبغي الاهتمام بها والتركيز عليها. 

على المستويين الفردي والمؤسسي، هناك كثير من المشاريع والأعمال التي يتم التخطيط لها، ومن ثم تنفيذها، والمتضمنة لعددٍ من النشاطات التشغيلية والاستراتيجية الهادفة، والتي يتم القيام بها من قِبل فريق من العاملين، الذين يتم توظيفهم، بما يتوافق مع طبيعة ومستلزمات تلك النشاطات. 

بالحديث عن النشاطات الهادفة، نجد أنفسنا أمام سؤال مهم، يمكن صياغته على النحو الآتي: ما متطلبات أداء هذه النشاطات؟ بالعودة إلى مطلع المقال، سيأتي من يقول بأن تأدية هذه النشاطات، يتطلب مالاً، وهذا – كما ذكرنا – أمر صحيح، لكن المال بمفرده غير كافٍ. هذه النشاطات تستهلك، بالإضافة إلى المال، جهداً بشرياً، وكذلك وقتاً، الأمر الذي يثبت وجود ثلاثة أبعاد للإنفاق، سنقوم بتفصيلها على النحو الآتي: 

أولاً / إنفاق الجهد (رأس المال البشري): يرتبط هذا النوع من الإنفاق بالموارد البشرية، التي تعبّر عن العمود الفقري لعموم المشاريع، إذ بدون قدرات ومهارات الأفراد، لن تتوفر إمكانية الإقدام على ممارسة الأعمال المرتبطة بها، لذلك، لا يوجد بديل عن الدور الإنساني الذي يعبّر عن الحلقة الأساسية لممارسة النشاطات المختلفة. مع الأخذ بعين الاعتبار، أن المشاريع والأعمال في عصرنا الحالي، تستلزم عادةً مستويات متقدمة من القدرات والمهارات البشرية، خاصةً أننا نشهد ما يمكن تسميته عصر الأتمتة أو التقنية المتقدمة في أغلب مجالات الحياة. 

ثانياً / إنفاق الوقت (رأس المال الزمني): يعبّر الوقت عن أحد الموارد الأساسية، التي ينبغي الاهتمام بها، والحرص على استثمارها بصورة إيجابية، من قبل الأفراد والمؤسسات، على اعتبار أن الوقت يمثل أحد أهم مؤشرات التطور والارتقاء في مسيرة الأمم والمجتمعات عموماً، فمن لا يستطيع إدارة وقته، لن يتمكّن من إدارة أي شيء آخر. هذه الحكمة تدفعنا للاقتناع بعدم وجود بديل عن بذل الجهد لتنظيم مورد الوقت الثمين، واستكشاف السبل الصحيحة لاستثماره وإدارته، ومعرفة المراحل الكفيلة بالسيطرة عليه. مقابل ذلك، ينبغي تحديد المفهوم الديناميكي لمضيعات الوقت، والتعرف إلى كيفية تشخيصها ومعالجتها، مع الوقوف على حقيقة العلاقة الرابطة بين إدارة الوقت من جهة، واستثمار وقت الفراغ والقيم الحضارية للمجتمع، وتقدم الدول وتطورها من جهةٍ أخرى. 

ثالثاً / إنفاق المال (رأس المال النقدي): المال عصب الحياة، هذه حقيقة لا يمكن إغفالها، إذ أن جميع الأفراد والمؤسسات، يحتاجون إلى توفير المال، كي يتمكنّوا لاحقاً من أداء نشاطاتهم المختلفة. عندما نتحدث عن المال، فإننا لا نعني بالضرورة المال الوفير، بل نقصد ذلك المال الذي يتوافق مع نوع وطبيعة النشاطات اللازمة لتحقيق الأهداف الخاصة بالمشاريع والأعمال المختلفة. علماً بأن هناك كثيراً من المشاريع الكبيرة، بدأت برأسمال نقدي متواضع، ثم تمكنّت لاحقاً من التوسع والانتشار على المستوى المحلي، ولاحقاً على المستويين الإقليمي والعالمي. هذا يعني أن المال مهم بالتأكيد، ولكن ينبغي أن ينسجم استثماره ويتوافق مع الموردين الآخرين، اللذين سبق توضيحهما.

طباعة Email