احموا أرضكم من الفئران

«زور ابن الزرزور.. اللي عمره ما كذب ولا حلف زور»، بهذه العبارة كانت الجدة حصة تبدأ الحكايات، التي ترويها لحفيدها فهد كل ليلة، مثلما كانت كل الجدات الكويتيات يبدأن حكاياتهن لأحفادهن. وبالعبارة نفسها بدأت حكايتها عن نجم «سهيل»، الذي نشاهده في جنوب السماء. قالت: إن سهيلاً وصاحبه لم يكن يجمعهما رابط عدا عشق فتاة تدعى «عاقبة»، وأرض ورثاها عن أسلافهما منذ سنوات طويلة، يفلحانها، يعيشان على محاصيلها، ولا يعرفان مأوى سواها. يعتنيان بها نهاراً، ويتناوبان على حراستها ليلاً، ولأنهما لم يبرحا أرضهما يوماً، أو يهملاها، أو يسلماها إلى أغراب يفلحونها، لم تتمكن الفئران من سرقة محاصيل الأرض من رز وحنطة وذرة وشعير.

جاعت الفئران، وإذا ما جاع فأر استمات ليحصل على ما يسد جوعه، وإن جاء امتلاؤه على خراب ديار. أدركت الخبيثة أنها لن تسود الأرض ما لم تتمكن من الدخول بين سهيل وصاحبه. لم ترغب بالتخلص منهما معاً، لأن الفئران بطبيعتها تأتي على الحصاد، ولكنها لا تفلح الأرض. كان بقاء أحد الصديقين ضرورياً من أجل حياة الفئران، يفلح الأرض كي تستمر في عطائها موسماً تلو آخر. تسرقه إذا ما هدّه التعب ونام ليلاً بلا صاحب يسهر على حراسة جهده، ولأنها تعرف أن كلا الصاحبين يهيم بـ«عاقبة»، ويرى أنه الأجدر بحبها، لم تجد الفئران سواها سبيلاً إلى الدخول بين سهيل وصاحبه، لتفرّق بينهما. هاجمت الفئران «عاقبة» داخل خيمتها البعيدة. صرخت الفتاة، واستجارت، فهبّ سهيل وصاحبه يسابق واحدهما الآخر لنجدتها. يجريان في الظلمة، يتبعان صوتها ونور سراج يتسلل من خيمتها. دبّت الغيرة بينهما. كلاهما يصبو إلى نجدة الفتاة ونيل ودّها. تشاجر سهيل وصاحبه بالقرب من الخيمة، فكلاهما يدّعي أن «عاقبة» نادته باسمه. حمل سهيل حجراً، وشجّ رأس صاحبه، سقط على الأرض يسيل الدم من مفارق شعره، فجزع سهيل لمرأى الدم. سقط على ركبتيه يهزّ كتفي صاحبه، ظنه ميتاً ولم يكن. صرخ شاتماً نفسه. جرى هرباً من ذنبه المضرّج بدمائه. لم يجد وسيلة يكفّر بها عن خطيئته عدا اعتزاله العالم، ولجوئه إلى جنوب السماء بعيداً وحيداً لا يجاوره نجم.

صارت السماء تصرخ ألماً لحال الصاحبين. ترسل دمعها مدراراً على الأرض. عندما نفرت الفئران إلى أرضهما استعاد الفتى الجريح وعيه. لم يجد سهيلاً حوله، أعطته «عاقبة» سراجها، ليبحث عن صاحبه. لم يجده في الأرض، التي أحالتها الفئران خراباً. مضى يهيم في القفار حاملاً سراجه ينادي سهيلاً، الذي اختفى في السماء، ولا يظهر إلا مرة كل عام في مثل يوم نداءات «عاقبة» عندما تتذكر السماء الفجيعة وتبكيهما. يمكث سهيل أياماً يطل على الأرض، يراقب ما حلّ بها، يبحث عن صاحبه الذي حمل سراج «عاقبة»، وغاب في القفار يبحث عنه. هكذا صار سهيل نجماً، أما صاحبه فقد اختفى، طاله النسيان، ولم تحفظ الأسطورة اسمه، إلا أن الناس صارت تناديه بـ«شهاب». يدّعي البعض رؤيته، بين ليلة وأخرى، حاملاً سراجه خاطفاً في السماء. ماتت الفئران على أرض خرّبها رحيل صاحبيها، وبقيت «عاقبة» وحيدة بلا سراج.

انتهت قصة «نجم سهيل» كما حكتها الجدة حصة لحفيدها فهد في رواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي «فئران أمي حصة». كانت حصة تشعر دائماً أن الفئران قد تسلّلت إلى البيوت. ليس شرطاً أن تراها، لكن آثارها تدل عليها، كانت تحس بوجود الفئران، كلما أزاحت مساند الأرائك ورأت الفضلات.

حكاية الفئران لم تنته بموت تلك المجموعة التي أشعلت الفتنة بين سهيل وصاحبه، وأحالت الأرض خراباً. ثمة فئران كثيرة ما زالت حية، تلعب الدور نفسه، الذي لعبته فئران حكاية سهيل وصاحبه. كانت الفئران الأربعة، شرر ولظى وجمر ورماد، في رواية «إرث النار» داخل الرواية الأصلية، قد وضعت بصماتها المستنبطة من أسمائها. ثمة فئران أخرى، خارج الرواية، ما زالت تنتظر فرصتها كي تضع هي الأخرى بصماتها، وتحرق الأخضر واليابس معاً.

لا تستهينوا بالفئران. راقبوها جيداً. تتبّعوا كل أثر يدل عليها. ليس ضرورياً أن تروها بأعينكم، لتدركوا أنها موجودة. احموا أرضكم منها. لا تسمحوا لها بالخروج من تحت الأرض، لإشعال النيران فوقها. لا تدعوها تطردكم من أرضكم مثلما فعلت تلك الفئران الخبيثة بـ«سهيل» وصاحبه، وتركت «عاقبة» وحيدة بلا سراج.

* كاتب وإعلامي إماراتي

طباعة Email