العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    عصر الإنتاجية

    كان جل الأمريكيين حتى حقبة العشرينات يعملون في الزراعة قبل أن تخترق المصانع وكبريات الشركات شتى مناحي الحياة. وكذلك الحال في العالم الغربي. بعبارة أخرى، كانت الإنتاجية مرتبطة بطاقة الناس العاملة في الحقل والمعدات البدائية المستخدمة. بعد ذلك تغير الوضع تدريجياً بعدما علا هدير آلات المصانع الغربية، واستعرت المنافسة بين الشركات وصار منها ما هو عابر للقارات. هنا برزت الحاجة إلى إنتاجية هائلة لتجاري هذا التنافس الاقتصادي بين الدول. فنشطت في أدبيات الإدارة والصناعة فكرة الإنتاجية، وتفتقت عقول العلماء عن حلول عدة للدفع بالإنتاجية إلى الأمام. هنا بدأت مثلاً أفكار خلاقة مثل مفاهيم كايزن والسكسيغما، ولين مانجمنت وغيرها.

    وعلى الصعيد الفردي، تنامت أعداد الأدبيات والمؤتمرات والمواد المصورة التي تحاول تقديم حلول تعظم إنتاجية الناس.

    وقد حاولت على سبيل التجربة جس نبض بعض الناس مما يهمهم هذا الموضوع ففوجئت بدخول المئات إلى غرفة الدردشة التي أنشأتها في تطبيق كلوب هاوس الصاعد. وذهلت من روعة أفكارهم القادمة من شتى بقاع العالم ممن يتحدثون العربية في كيفية تعظيم إنتاجيتهم، وهو موضوع الحلقة النقاشية. ولحسن الحظ كانت أعداد الكتب المقترحة كبيرة، وكذلك الأفكار التي تنم عن انتقال ملحوظ للفكر الغربي التنظيمي أو الإنتاجي إلى عقول عامة الناس. وكذلك لاحظت أثر الفيديوهات المترجمة والإنجليزية واضحة في استشهادات المشاركين وهو بحد ذاته أمر سار لسبب بسيط، وهو أن هؤلاء هم في نهاية المطاف إن لم يكونوا قادة فهم في النهاية سوف يصبحون قياديين وهنا ينتقل فكرهم الإنتاجي إلى الجيل التالي من المرؤوسين.

    مشكلتنا في الوطن العربي مع الإنتاجية عندما يكون الفرد مفعماً بالحيوية والنشاط وقد تعلم في أفضل المؤسسات التعليمية ثم يصطدم بواقع إداري أليم لا يعامله بقدر إنتاجيته بل بقدر التزامه بعدد بصمات الحضور والانصراف. ومهما أضاف للمؤسسة من جهود هائلة يمكن أن ينهي ذلك كله إنذار هزيل من قسم الموارد البشرية عند أول زلة. والطامة الكبرى حينما يصطدم الموظف المنتج بجدار الترقيات الذي لا يبدو أن فيه سلماً للترقي سوى طرق ملتوية، كالتزلف والنفاق والانضمام «للشلة المقربة».

    ولذا فإنه مهما بذل المرء من جهود لتطوير إنتاجيته لابد أن تهتم الدول العربية بقياس تلك الإنتاجية بطريقة عصرية، وإعطاء كل ذي حق حقه. حتى إذا ما تألق نجم فرد وترقى فلن يجد أمامه من يشكك فيه نظراً لوضوح آليات التقييم.

    وربما كان أول خطوة أن تبدأ الحكومة بالقطاع العام لأنه في بعض البلدان نجده يوظف ما يتجاوز نصف القوى العاملة وهي نسبة هائلة. وعليه يمكن من خلال خطة طويلة المدى أن نلمس تغيراً كبيراً. وما جعلني أتساءل عن مدى إنتاجية الموظف ما لاحظناه في أزمة كورونا من تخفيض البلدان لأعداد الموظفين لنكتشف أن منسوب الإنتاجية كان بحده الأدنى يسير على ما يرام. فما زالت محطات توليد الكهرباء، وتنقية المياه، والطاقة، وسائر الوزارات تسيّر الأعمال ربما بوتيرة أبطأ قليلاً لكنها لم توقف عجلة العمل. وهذا ما دفع المرء للتساؤل هل كانت تلك الملايين منتجة طوال الوقت، لاسيما بعد أن سيّر ثلثهم أو نصفهم العمل على ما يرام!

    الإنتاجية مسؤولية الدولة والفرد. فمن واجب المرء أن يتأكد دوماً أن يومه أفضل من أمسه من ناحية الإنتاجية أو على الأقل مستمر بوتيرة ثابتة. وإذا ما كان قيادياً فإنه يقع في صميم مهامه التأكد من مدى القيمة المضافة لكل من يعمل تحت إمرته، وأن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب حتى يشعر من حوله بشغف العطاء وحب العمل. كما على الدولة أن تراجع آلية تقييم الإنتاجية وتربطها مع أفضل التطبيقات والممارسات حول العالم. هكذا يمكننا أن نكون في مقدمة ركب المنتجين.

    * كاتب كويتي

    طباعة Email