تفكيك الميليشيات شرط لاكتمال التسوية الليبية

اختيار حكومة ليبية مؤقتة تدير البلاد لمدة أقل من عام، وتحضّر لإجراء انتخابات، تطور مهم جداً على طريق حل الأزمة الليبية، خاصة أنه حظي بتأييد ودعم غالبية الدول المهمة إقليمياً ودولياً.

وكل الأمل أن يتمكن الفرقاء الليبيون من تجاوز الأزمة وصولاً إلى توافق وطني شامل، يفضي إلى دولة موحدة بجيش ومؤسسات موحدة، تعيد ما دمرته سنوات الحرب والانقسام.

وإلى أن تتحقق المصالحة الكاملة على الأرض، فمن المهم أن يكون كل الأشقاء في ليبيا، قد أدركوا خطورة الاستعانة بالميليشيات والمرتزقة والقوات الأجنبية، في الصراع الدامي الذي ضرب البلاد منذ نهاية عام 2011، وحتى أيام قليلة مضت.

المفترض أن الوقائع على الأرض هي درس بليغ، ليس فقط لليبيين، ولكن لكل العرب الذين فكر بعضهم في الانقلاب على الدولة الوطنية والاستعانة بهذه الميليشيات أو تلك، تحت مسميات خادعة من عينة «جيش تحرير القدس» أو «ميليشيات الكرامة» أو «الحرس الثوري»، أو غيرها من المسميات التي تندرج في الخانة ذاتها.

الصورة الأكثر وضوحاً في العاصمة الليبية طرابلس، حتى قبل أسابيع قليلة مضت، حينما اندلعت اشتباكات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة بين ميليشيات الأمن العام، حيث أطلقت النار على قوة تابعة لميليشيات الردع، كانت متمركزة قرب جزيرة سوق، والنتيجة هي انسحاب الأخيرة من مواقعها، في حين تمركزت مجموعة الطرابلسي بالمنطقة استعداداً لاحتمال عودة ميليشيات الردع مرة أخرى.

لكن ما مغزى هذه الاشتباكات؟!

قوة الأمن العام تابعة لوزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، في حين أن جهاز الردع تابع للمجلس الرئاسي، ويدين بالولاء لرئيس الوزراء السابق فايز السراج.

ميليشيات الردع هي الأكثر تسليحاً وعدداً في طرابلس ويقودها عبد الرؤوف كارة، وهو متطرّف، ومقرها مجمع معيتيقة شمال العاصمة، قرب المطار الوحيد العام في طرابلس، وهي تتكون من 1500 جندي، في حين أن ميليشيات الأمن العام تدين بالولاء لباشاغا الذي ينحدر من مدينة مصراتة.

وليس خافياً على أحد أن باشاغا سعى بكل السبل، لكي يصبح رئيساً للوزراء بديلاً عن السراج، في أي تسوية مقبلة، لكن قائمته أخفقت في الانتخابات التي جرت في جنيف قبل نحو أسبوعين.

السراج بدوره أعلن أنه سوف يستقيل في أكتوبر الماضي، لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة آملاً أن يعاد اختياره، لكن الرياح جاءت بما لا يشتهي.

قبل شهور اندلعت تظاهرات شعبية عارمة في طرابلس تطالب بالحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية ومحاربة الفساد، فانتهزها السراج فرصة للتخلص من باشاغا، بذريعة أنه المسؤول عن قمع التظاهرات. السراج أحال باشاغا للتحقيق، فذهب الأخير مدججاً بالميليشيات المسلحة، وانتهى الأمر وقتها بتراجع السراج، وبدأ باشاغا يسوّق نفسه لدى العواصم المعنية بالأزمة لكي يصبح بديلاً للسراج، وكانت النتيجة أن الاثنين راحا بلا حساب في الترتيبات الجديدة.

الميليشيات، على مختلف أنواعها، المنتشرة في مصراتة وطرابلس ومدن الغرب، وتتحالف مع حكومة الوفاق، وجدت نفسها موحدة، حينما حاولت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر تحرير طرابلس من قبضة الميليشيات، لكن في اللحظة التي انسحبت فيها هذه القوات إلى سرت ومدن الشرق، بدأت الخلافات المناطقية تظهر بين هذه الميليشيات.

الخلافات لم تكن سياسية، فحينما يكون لديك أسلحة خفيفة وثقيلة، فإن اللغة الوحيدة التي تتعامل بها هي القتال والعنف، الذي يدفع ثمنه الأهالي المغلوبون على أمرهم.

السؤال الذي لا يجد إجابة شافية في كل المفاوضات التي دارت وتدور لحل الأزمة الليبية في العديد من مدن العالم وبلدان، من المغرب إلى روسيا، ومن الغردقة إلى بوزنيقة ومن برلين إلى جنيف، ومن تونس إلى سرت وغدامس، هو: كيف يمكن الرهان على أي حل حقيقي للأزمة، من دون التأكد الكامل من حل الميليشيات على كامل الأرض الليبية من غربها إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها؟!

من دون تفكيك هذه الميليشيات المدعومة من تركيا وأردوغان، وتجريد قادتها من هذا السلاح الفتاك، ومن دون بذل محاولات حقيقية لإدماج الليبيين العاملين فيها داخل جيش وطني حقيقي بعد تأهيلهم، فلن يتمكن الأخوة في ليبيا من الخروج من هذه الأزمة المستحكمة.

الليبيون دفعوا ثمناً غالياً لفوضى الميليشيات، خصوصاً المرتبطة بالجماعات الظلامية والإرهابية، وأدركوا أنها الأكثر خطراً على بلادهم ومستقبلها، وأنها يمكنها أن ترتكب كل أنواع الجرائم مقابل استمرار نفوذها، مثلما خطفت العديد من المسؤولين في السنوات الماضية، طلباً لفدية أو فرضاً لشروطها غير المنطقية.

على الأشقاء في ليبيا أن يتخلصوا بكل الطرق من هذه الميليشيات ومن القوات الأجنبية، خصوصاً التركية أولاً، حتى تبدأ الأزمة المستحكمة في الانفراج.

طباعة Email