ظلال الزعامة

مهما ارتفع شأن الدول من التطور الاجتماعي والتقدم الاقتصادي، وحسنت حظوظ نظمها من شعائر الديمقراطية ومقتضياتها، كسيادة حكم القانون وقوة الأداء المؤسساتي والاستقرار السياسي، يظل للقيادات والزعامات العليا، برؤاها وتقديراتها وإشعاعاتها الذاتية، دوراً استثنائياً ملموساً في تحديد التوجهات وصناعة السياسات واتخاذ القرارات. 

غداة وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، تبنى الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ما عرف بالمبادئ الأربعة عشر في مقاربة العلاقات الدولية، وانطلاقاً منها أعلن في عام 1919 تأييده للفكرة البريطانية بإنشاء عصبة الأمم، كممثل لعالم القانون والشرعية الدولية. كان ويلسون من الحزب الديمقراطي.

وفي إطار المناكفات الحزبية، رفض الكونغرس الأمريكي، صاحب الأغلبية الجمهورية، التصديق على ميثاق العصبة أو الانضمام إليها، بذريعة أنها «محاولة من القوى الأوروبية الكبرى للاستئثار بغنائم الحرب». 

 وقتذاك، سقط اقتراح ويلسون، وتشكلت العصبة بدون المشاركة الأمريكية، ما أدى لاحقاً إلى فشلها وانفراط عقدها. كان ذلك من تجليات الانصياع لدولة المؤسسات، لكن مبادئ ويلسون وأفكاره بقيت، بشكل أو آخر على مدار المئة عام الأخيرة، ضمن المعايير المتداولة، غير القابلة للتقادم، في أروقة السياسية الخارجية للولايات المتحدة. 

في عهد قريب، ما زالت تبعاته وتوابعه تراوح في الآفاق الدولية، عالج الرئيس دونالد ترامب عدداً كبيراً من القضايا وفقاً لمنهجية، غلبت عليها الإلهامات والتصورات الشخصية.

وعلى الرغم من ابتعاد كثير من جوانب هذه المقاربة عن المثل والقيم المعلومة بالضرورة عن الاجتماع السياسي الأمريكي، إلا أنها أثرت بوضوح على مخرجات الحكم والسياسة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وبالنظر إلى جنوح تصرفات الرئيس ترامب في لحظات بعينها وتجاه مسائل بعينها، أثيرت أقاويل وطرحت استفهامات عن مصير النظام السياسي الفيدرالي الأمريكي برمته..

وفيما يخص حقل السياسة الخارجية بالذات، الذي ناله الكثير من مزاج ترامب نحو الاعتكاف والتقوقع تحت شعار «أمريكا أولاً»، والاستخفاف بمنظمات تمارس أدواراً عالمية نوعية شاملة، كالتجارة والصحة والبيئة والمناخ والثقافة، وضع الكثيرون أيديهم على قلوبهم خشية انهيار هذه الأطر، على غرار ما جرى مع عصبة الأمم من قبل. 

نود القول بأن عهد ترامب قدم نموذجاً على سطوة الدور القيادي في أعتى الديمقراطيات. لكن النهاية الدرامية لهذا العهد ولاسيما منذ أحداث اقتحام الكونغرس، تعرض بدورها لنموذج مضاد، موجزه إعادة الاعتبار لدور المؤسسات في مواجهة هذه السطوة.

وفي ذلك يصح الاعتقاد عموماً بأنه حين بالغ الرجل في «الشخصنة والذاتية»، وأوغل في سوق الأمة بقضها وقضيضها إلى حيث يريد ويتصور، ووضعها على شفا جرف التنازع، وربما التصارع والضرب تحت الأحزمة، تصدت له دولة المؤسسات بكل حزم، وأجبرته وبطانته على التقهقر إلى حدود المعقول والمقبول ودوائر الإجماع. 

لا أحد يدرى على وجه اليقين إلى أي مآلات كانت ستذهب إليها القوة الأولى في عالمنا المعاصر، فيما لو قدر لترامب أن يبقى في البيت الأبيض لولاية ثانية. ويبدو أن خليفته جو بايدن، الأكثر خبرة وحنكة في شؤون الحكم والسياسة، يدرك معنى طرق الحديد الساخن. هذا ما يفهم من تعجيله باتخاذ عدد كبير من القرارات المفارقة تماماً لسياسات سلفه ومواقفه، وكأنه أراد أن يسدل ستاراً سميكاً على آثار زمن هذا السلف قبل أن يفيق. 

أحد التساؤلات المشروعة في هذا السياق، يتعلق بما إن كان تصرف بايدن على هذا النحو الصاعق في سرعته، يندرج أيضاً تحت إطار السلوك الزعامي وفرض الرؤى والقناعات الخاصة المنبثقة عن تجربة ذاتية؟!.

وهنا تصح المجادلة بأن مداخلة بايدن، حتى إن شابها شيء من هذا السلوك، فإنها تبدو أكثر اتساقاً مع الروح الثقافية والحقوقية لما يعرف بالمجتمع الدولي من جهة وللاجتماع السياسي الأمريكي من جهة أخرى.. هذه الروح الثاوية أو المتعينة في الجهتين، على صعد الثقافة والقانون والعرف.. وهذا ما غاب إلى حد بعيد عن السيد ترامب والجماعات الشعبوية المهتاجة من حوله.


 * كاتب وأكاديمي فلسطيني

 
طباعة Email
تعليقات

تعليقات