هل الشرق الأوسط من أولويات بايدن الخارجية؟

أولويات بايدن الخارجية يحددها الوضع الداخلي الأمريكي وسياسات سلفه تجاه العالم، فقد تسلم بايدن منصب الرئاسة في وقت صارت فيه الولايات المتحدة تعاني من خصم واضح هو سمعتها الخارجية، وتواجه أزمات داخلية كبرى، فعلى الصعيد الدولي، لم يعد حلفاء أمريكا الأوربيون يثقون بأن الولايات المتحدة حريصة على تحالفاتها.

وباتوا أكثر استعداداً لاتخاذ قراراتهم دون الولايات المتحدة، وهو ما مثل بالقطع خصماً من «قيادة أمريكا» لحلفائها، ويصدق الشيء نفسه على حلفاء أمريكا في آسيا، من اليابان لكوريا الجنوبية، إذ خلقت مواقف ترامب، التي دارت حول نفسها دورات كاملة ومتكررة إزاء كوريا الشمالية، شعوراً لدى البلدين بأنه لا يمكن التنبؤ بمواقف أمريكا، ولا الاعتماد عليها. والمواقف نفسها، التي انتقلت من النقيض للنقيض، اتخذها ترامب تجاه الصين أيضاً. 

أما الوضع الداخلي، فقد تسلم بايدن من سلفه بلداً يعاني من تفشي وباء «كورونا» المستجد على نحو غير مسبوق، يصاحبه تدهور كبير في الاقتصاد الأمريكي، فضلاً عن عنف، يتبناه تيار تفوق البيض، ومرشح للبقاء طويلاً. 

وتلك هي المحددات الرئيسية لأولويات ترامب الخارجية، فهناك مؤشرات تدل على أن أوروبا، حيث حلفاء أمريكا الأقوى، ستحتل الأولوية الأولى.

ولعلها من المفارقات الجديرة بالتأمل أن آخر إدارتين ديمقراطيتين، أي إدارتي أوباما وبايدن، كان عليهما رأب الصدع مع الحلفاء الأوروبيين، بعد أن تدهورت في عهد بوش الابن بفعل الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق، وتدهورت بدرجة أعمق بفعل سياسات ترامب تجاه الحلفاء. وفي سابقة ذات دلالة على أولوية أوروبا، عمدت إدارة بايدن لنشر فيديو للاتصال الهاتفي الأول للرئيس الجديد مع الأمين العام لحلف الأطلسي.

بينما جرت العادة على أن ينشر البيت الأبيض نص المحادثة مكتوباً، غير أن قيادات الحزب الديمقراطي في أغلبها باتت منذ عقود تؤمن بأن التحدي الأكبر لبلادهم يأتي من الصين، وبايدن ليس استثناء من ذلك، فهو أثناء الحملة الانتخابية كتب مقالاً عن التهديد الصيني للأمن القومي الأمريكي عسكرياً واقتصادياً.

كما أن اهتمام إدارة بايدن بكارثة المناخ يعزز من ذلك الموقف لضرورة دفع الصين للالتزام بالمعايير المتفق عليها دولياً، وبايدن يرى روسيا تهديداً هي الأخرى، وإن بدرجة أقل عن الصين، لكن الأوضاع الاقتصادية الأمريكية لا تجعل الصين وحدها، وإنما دول آسيا عموماً على قمة أولويات بايدن، فالتعاون الاقتصادي مع تلك الدول، يمثل وسيلة لتحسين أحوال الاقتصاد ورفع مقدرات الطبقتين العاملة والوسطى.

باختصار، من المتوقع أن تتبوأ دول أوروبا وآسيا أولويات إدارة بايدن، والأوضاع الداخلية الأمريكية تفرض نفسها أيضاً لتضع دول الأمريكتين ضمن الأولويات، فلم تكن مصادفة أن يكون رئيس وزراء كندا، جاستن ترودو، أول من يتلقى اتصالاً هاتفياً من بايدن بعد توليه منصبه، بينما كان رئيس المكسيك من بين زعماء دول ثلاث، كندا وبريطانيا، اتصل بهم الرئيس الأمريكي قبل باقي زعماء العالم، فبريطانيا الحليف الأقوى.

وكندا والمكسيك هما الجارتان اللتان لا تملك أية إدارة ترف تجاههما، غير أن قضية الهجرة شديدة الجدلية داخل الولايات المتحدة تفرض أمريكا اللاتينية على أولويات إدارة بايدن، خصوصاً بعدما اتخذت إدارة ترامب مواقف اتسمت بالعنصرية تجاه المهاجرين من دول أمريكا اللاتينية. 

كل ذلك معناه أن يتراجع الشرق الأوسط وأفريقيا على أولويات الإدارة الجديدة، ما لم يحدث في أيهما توترات تفرض نفسها على قمة الأولويات، وهي لم تكن مصادفة أن بايدن لم يتصل برئيس وزراء إسرائيل خلال الأيام التسعة الأولى لتوليه، في سابقة لم تحدث، على الأقل، طوال العقد الأخير.

لكن اعتبارات الداخل الأمريكي وحدها قد تجر الشرق الأوسط لمكانة متوسطة على أولويات بايدن، فقد رفضت نسبة معتبرة من نخبة الجمهوريين، بمن في ذلك صقور السياسة الخارجية، ترامب ودعمت بايدن في الانتخابات الأخيرة، وأغلبهم من المحافظين الجدد، وهو التيار المعروف باهتمامه الخاص بالشرق الأوسط، وصاحب المواقف المعروفة منذ عهد بوش الابن. ومن هنا، فكلما زاد نفوذ هذا التيار عند بايدن، ارتفعت أسهم الإقليم على أولويات الإدارة الجديدة، بغض النظر عما إذا كان ذلك النفوذ يصب في مصلحة دوله.

 * كاتبة مصرية

 
طباعة Email
تعليقات

تعليقات