ماذا لو قلتَ: لا بأس يا عزيزتي؟

هاتفتُ أحد الأصدقاء في عمّان، لأطمئن على حال أسرته، بعد أن علمت بإصابة ابنته بـ «كوفيد 19»، فأخبرني أنّ كلّ شيء على ما يرام، لكنه منزعج، ونادم من شيء آخر لا صلة له بالفيروس المستجد، بل بفيروس الانفعال والغضب، وعدم السيطرة على ردود أفعاله.

حدّثني أنه تعرّض، قبل أيام، لمشكلة قادت إلى نتائج مزعجة، بسبب تلاسنه مع رجل رفض السماح له بإيقاف سيارته أمام منزله، ما دعاه إلى شتم ذلك الرجل، ليتطوّر الموقف إلى شجار، واستدعاء للاحتياطي العشائري، ما دفع إلى الاستعانة بالشرطة، بعد أن تفاقمت الأمور، وجرى الاعتداء بدنياً على أصدقاء مشتركين آخرين.

قلت لصديقي العنيد، بعدما أخذتُ نفساً عميقاً، زفرتُ بعده بحرقة وأسى وغيظ: لو أنك حركّت سيارتك، ولم تركب رأسك، ألم يكن ذلك أجدى لك؟.

وتذكرتُ، على الفور، قاعدة 10/90 للمفكر الأمريكي الراحل ستيفن كوفي، صاحب الكتاب الشهير «العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية»، إذ نجد أنّ 10 % من الحياة يتشكّل من خلال ما يحدث لنا، والـ 90 % من الحياة يتم تحديدها من خلال ردود أفعالنا.

ماذا يعني هذا؟

يعني أننا في الواقع ليس لدينا القدرة على السيطرة على الـ 10 % مما يحدث لنا، فنحن لا نستطيع منع السيارة من أن تتعطل، أو الطائرة من الوصول متأخرة عن موعدها (ما سيؤدي إلى إفساد برنامجنا بالكامل)، أو سائق ما قطع علينا حركة المرور أو السير.

نحن في الواقع، ليس لدينا القدرة على التحكم بـ 10 %، ولكنّ الوضع مختلف مع الـ 90 %، فنحن من يقرّر كيف يمكن أن تكون الـ 90 %.

وكيف ذلك؟

عن طريق ردود أفعالنا. وهنا، تذكّرت صديقي العنيد، الذي أخبرني أنه كان يحمل مسدساً محشوّاً بالرصاص، عندما تشاجر مع الرجل، بسبب موقف سيارة. نحن لا نستطيع التحكم في إشارة المرور الحمراء، ولكن نستطيع السيطرة على ردة فعلنا.

دعونا، يقول ستيفن كوفي، نستخدم هذا المثال:

كنتَ تتناول طعام الإفطار مع عائلتك، وفجأة أسقطتْ ابنتك الصغيرة فنجان القهوة على قميص عملك. لم يكن لك دور فيما حدث هنا، ولكن ما سوف يحدث لاحقاً، سيتقرر حسب ردة فعلك.

بدأتَ بالصراخ والشتم، وقمت بتوبيخ ابنتك، فأخذت الطفلة في البكاء، ثم استدرتَ إلى زوجتك موبّخاً إياها، لوضعها الفنجان على حافة الطاولة، وبعد مشادة لفظية قصيرة بينكما، اندفعتَ إلى الطابق العلوي، وقمت بتغيير قميصك، ومن ثم عدت إلى الطابق السفلي، فوجدت أنّ ابنتك قد انشغلت بالبكاء عن إنهاء فطورها والاستعداد للمدرسة، ونتيجة لذلك، فاتها باص المدرسة.

أنتَ، يتابع كوفي، تعلم أنّ زوجتك كان لا بد أن تغادر لعملها. لذا، اضطررتَ إلى إيصال ابنتك بسيارتك الخاصة إلى المدرسة. وبما أنك متأخر، قدتَ سيارتك بسرعة 40 ميلاً في الساعة، من أصل 30 ميلاً في الساعة كحد أقصى. وبعد 15 دقيقة تأخير، ودفع مخالفة مرورية بقيمة 60 دولاراً، وصلت إلى المدرسة. ركضتْ ابنتك إلى مبنى المدرسة من دون أن تقول لك: مع السلامة.

وبعد وصولك إلى المكتب متأخراً 20 دقيقة، وجدتَ أنك قد نسيت حقيبتك، فها هو يومك بدأ بصورة سيئة، واستمر من سيئ إلى أسوأ. بعد عودتك إلى المنزل، تجد توتراً في العلاقة بينك وبين زوجتك وابنتك.

لماذا؟

بسبب ردود أفعالك منذ الصباح.

لماذا كان يومك سيئاً؟

1 - هل هو بسبب القهوة؟

2 - هل هو بسبب ابنتك؟

3 - هل هو رجل الشرطة؟

4 - هل أنت سبّبت لنفسك ذلك؟

الإجابة هي (4)

لم يكن لك دخل أو سيطرة على حادثة الفنجان، ولكن ردة فعلك في الثواني الخمس التالية، هي ما تسبّبت في إفساد يومك.

كان عليك أن تتصرف بطريقة أخرى، وفق السيناريو التالي:

فنجان القهوة وقع عليك، وبدأت ابنتك بالبكاء، وقلت لها بكل لطف: لا بأس يا عزيزتي، ولكن كوني في المرة القادمة أكثر حذراً وانتباهاً.

تستبدل قميصك وتتناول حقيبة أوراقك، ثم تعود لترى ابنتك من النافذة وهي تصعد إلى حافلة المدرسة، ملوحة بيدها لوداعك، ثم تصل لعملك مبكّراً بـ 5 دقائق.

لاحظتم الفرق، يتساءل كوفي؟

يوجد سيناريوهان مختلفان:

لهما البداية نفسها، ولكن لكل منهما نهاية مختلفة.

لماذا؟

بسبب ردة فعلك. ففي الحقيقة لم يكن لديك أي سيطرة على الـ 10 % التي حدثت، أما الـ 90 % الأخرى، فتم تحديدها عن طريق ردة فعلك.

نصحتُ صديقي العنيد: لا تكن مثل الإسفنج، بل دع الهجوم يسيل عليك مثل الماء على الزجاج، ولا تسمح للتعليقات السلبية أن تؤثر فيك، فردّة الفعل الإيجابية لن تفسد يومك، بينما ردّة الفعل السلبية، قد تودي بك إلى التهلكة، وكنتُ آنذاك أتذكّر، بهلع، المسدس المحشوّ بالرصاص، وأتساءل، كم عدد الذين أمضوا حياتهم وراء القضبان في السجون البائسة المعتمة، بسبب ردّة فعل طائشة، وبسبب عدم قدرتهم على التحكّم بالـ 90 %.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات