القراءةُ طريق للتقدم ومسار للإبداع

حين تندثر الحضارات، لا يبقى شيءٌ يدلّ عليها سوى ما تبقّى وراءها من الآثار المعنوية والمادية، والمعارف الخالدة، هي أرقى ما يبقى بعد ذهاب الأمم من الآثار، ولا نعرف حضارة قديمة أو حديثة ترسّخت مكانتها بين الأمم، إلا بما تركت وراءها من منجزات العقل وفتوح الروح والوجدان، بمعنى أنّ المعرفة هي أعمق الآثار الباقية من القرون الخالية، وليس هناك طريق لتكوين المعرفة سوى القراءة، وقديماً قال الحكماء: «المعرفة مصباح القلب»، فتكون القراءة، بحسب هذه الحكمة، هي زيت ذلك المصباح، الذي يُمدّه بالنور، ويمنحه التجدد والبقاء.

بإحساس القائد المثقف، ورؤية الرائد المتمرس، تحدث صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، ومن خلال ومضة قياديّة بليغة، عن فخامة شأن القراءة في صناعة الإنسان الفرد، والمجتمع المتقدم، والحضارة الزاهرة، منطلقاً من تأصيلٍ بديع لقيمة القراءة، حين قال: «القراءة هي غذاءٌ للروح والعقل»، بمعنى أنه لا حياة لجوهر الإنسان المتمثل في روحه، التي هي هِبَةُ الله تعالى له، وعقله الذي هو مناط تمييزه وتكليفه وتفضيله على جميع الكائنات، إلا بتقدير فعل القراءة، والإقبال على طلب المعرفة، لأنّ القراءة هي الوسيلة الكبرى في تحصيل المعارف منذ نشأة الإنسان على هذا الكوكب الفريد، وحين يتحدث مؤرخو الحضارات عن إنجازات الإنسان الكبرى، التي انتقل من خلالها من طورٍ إلى طور، تكون القراءة وتشكيل وسائل المعرفة، هي مفاخر الإنسان الجوهرية في سعيه الحثيث نحو التقدم والارتقاء في سلّم الحضارة، فالروح الإنسانية هي سرّ الإبداع، ولا تحيا هذه الروح إلا بالمعارف، ولذلك، سمّى الله تعالى وحيَه إلى نبيّه الكريم صلوات الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين (روحاً)، فقال سبحانه: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنتَ تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به مَنْ نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } (الشورى: 52)، فجعل سبحانه هذه المعرفة السنيّة الرفيعة المستفادة من الوحي الرباني، روحاً تحيا به الأجساد الميتة بالغفلة عن بارئها، فكأنّ المعنى: إنّ المتعلم هو الذي يستحق اسم الحياة، وأنّ الجهل هو الوجه الآخر للموت، وفي هذا السياق، يذكر المؤرخون أنّ الفراعنة كانوا من الأمم التي اهتمت بالقراءة، وأنهم كتبوا على باب أول مكتبة قاموا ببنائها: «هنا غذاء النفوس وطِبّ العقول».

وحين أراد الله تعالى تكريم أمة العرب، والانتقال بهم من طور التبعية إلى طور الأستاذية، اختارهم لحمل آخر رسالاته، بعد أن صقلتهم الحياة، واستخرجت منهم كل ملامح الرخاوة، فأنار قلوبهم بكلمة (اقرأ)، لتكون هذه الكلمة الجليلة، هي مفتاح الانطلاق، ووقود التقدم، وسرّ الإبداع، وهو ما جزم به صاحب السموّ، حين قال في هذه الومضة الزاهرة كالسراج: «القرآن بدأ بـ (اقرأ)»، في إشارة عميقة الدلالة، واضحة المغزى، إلى أنّ مجد العرب في الماضي والحاضر والمستقبل، لن يكون إلا بهذه الكلمة (اقرأ)، فكما جعلنا أجدادكم قادة للعالم ومشاعل للنور والحضارة، حين امتثلوا الأمر، فسنجعلكم كذلك حين تُقبلون بقلوبكم على ما فيه نهضتكم وعزّتكم، وخروجكم من هذا التيه الذي لا يليق بكم، فأنتم كنتم، ويجب أن تظلوا، خير أُمّةٍ أخرجت للناس، ولن تقوم لكم قائمة، إلا إذا رجعتم إلى تلك الكلمة الخالدة، التي تنزّلت على المتبتل في غار حراء، صلوات الله عليه، ثمّ التفّ حوله فرسان الجزيرة وشجعانها، وحملوا معه الأمانة، وفازوا بأعلى مراتب الشرف، وهم يستحضرون قوله تعالى: {وإنه لذْكرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون} (الزخرف: 44).

بعد ذلك يتوسّع أفقُ الومضة التي أتحفنا بها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، في هذا الشتاء الذي تطولُ ساعاتُ ليله، ويجد فيه الإنسان أفضل الأوقات لاستثمارها في القراءة، يتوسّع الأفق ليُشير سموّه إلى أنّ الدرس البليغ الذي تعلّمناه من التاريخ، هو أنّ نهضة الأمم وقوتها وازدهارها، مرتبطة أشدّ ارتباط بمعارفها، وحرصها على تطوير هذه المعارف، وهذه الرؤية السديدة الرشيدة، هي التي انطلق منها المؤرخ الكبير ابن خلدون، في تفسير مسيرة الحضارات، لا سيما الحضارة العربية الإسلامية، حين ربط بين ازدهار العمران، وبين ازدهار العلوم، فكلما ازدهرت العلوم، ازدهرت الحضارة والعمران، وها هي حواضر العروبة والإسلام الكبرى، من بغداد إلى دمشق إلى قرطبة وغرناطة والقيروان، وقبلهما البصرة والكوفة، وقبل ذلك كله، حواضر الحجاز الكبرى، التي انطلق منها النور والعلم إلى العالم أجمع: مكة والمدينة، ستظل شواهدَ صدقٍ على صحة هذه المقولة، فحين كانت هذه الحواضر تموج مساجدها بدروس العلم، وتتسابق معاهدها إلى نشر أنوار المعرفة، كانت الحضارة العربية الإسلامية في أوجها الأعلى، وحين تناقص الاهتمام بالعلم، وسيطر الكسل والجهل على بلاد العرب والإسلام، أصابنا ما أصابنا من بلاء التبعية والتخلف، وأصبحنا نتكفّف الأمم الأخرى، كي نستطيع مواصلة المسير، بعد أن أتى على هذه الأرض حينٌ من الدهر، كانت وفود الطلبة من كلّ فجّ تحجّ إلى كعبة العلم في بلادنا الزاهرة.

ثم كانت هذه الخاتمة الرائعة البديعة، التي ختم بها صاحب السموّ هذه الومضة، من خلال إحساسه الذاتي المرهف بقيمة العلم والمعرفة، فقال: «أنا اليوم اللي يمرّ علي ولا أتعلم شي، أعتبره ناقص من عمري»، لتكون هذه الكلمة النابعة من قائد متبصّر، وحكيم استقى من الحياة أصفى دروسها، خير نصيحة شاحذةٍ للهِمم، ومحرّضة للطاقات كي تنطلق، فتعرف قيمة العمر، فبحسب رؤية صاحب السمو: لا قيمة للعمر، حين يكون فراغاً في فراغ، فالعمر الحقيقي للإنسان، هو في إنجازاته، وما يتعلمه وما يُضيفه إلى هذه الحياة، لتذكّرنا هذه العبارة الثمينة، بتلك الكلمة الخالدة المنقولة عن عائشة أم المؤمنين، رضوان الله عليها: «ما مِنْ يومٍ لا أزدادُ فيه علماً، فلا بارك الله لي في طلوع شمس ذلك اليوم».

إن القراءة هي وسيلتنا الثمينة للخروج من قوقعة الجهل والتخلف، والذات المغلقة على نفسها، فضلاً عن قدرتها على إرشادنا إلى ابتكار مسارات جديدة، ترتقي بحياتنا نحو الأفضل، تؤهّلنا لمنافسة الأمم الأخرى، التي تضع طلب المعرفة في سُلّم أولوياتها، وتجني من ذلك أشهى قِطاف التقدم والإنجاز، وها هو الواقع خير شاهد على طبيعة الفروق بين الأمم والشعوب، والتي ترجع في جوهرها إلى الفرق بين المعرفة والجهل، وبين النشاط والكسل، وحين تنطلق طاقة الإنسان نحو تحصيل المعرفة النافعة، فسوف تنطلق جميع طاقات الإبداع التي أودعها الله تعالى في كيانه، وتنفتح أمامه جميع آفاق الإنجاز، التي تصقل مهاراته، وتنمّي خبراته، وتجعله يشعر بكرامته الإنسانية، التي تتجسّد في قدرته على التفكير والإبداع، والتقدم الخلّاق نحو الكمال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات