الثقة قاعدة لصناعة الأمل

يوم واحد فقط يفصلنا عن تحقيق أمل الوصول إلى المريخ، كما خطط له ونفذه قادة دولة الإمارات ليقدموه هدية لشعبهم في عام احتفاله باليوبيل الذهبي لقيام دولتهم.

وهو أمل يستمد قوته من الفكرة نفسها؛ فكرة الوصول إلى الكوكب الأحمر بعد 50 عاماً من قيام الدولة فقط، الأمر الذي يحمل في طياته رسالة إلى كل شعوب العالم، مفادها أنه لا مستحيل في قاموس الطموح، وأن أقصى نقطة في المجرة الكونية التي نعيش فيها، يمكن الوصول إليها إذا توفرت الإرادة والعزيمة والتصميم والثقة بالنفس.

لو عاد الزمن بنا 50 عاماً إلى الوراء، إلى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عندما كانت دولة الإمارات ما زالت حلماً يداعب خيال أبناء الإمارات، وكانت محاولات إرسال مركبات إلى المريخ قد بدأت في أوائل الستينيات، نجح بعضها في الوصول إلى الكوكب الأحمر، وفشل بعضها الآخر، إما على الأرض قبل الإقلاع، أو خلال الرحلة، أو خلال هبوطها على أرض الكوكب، لو عاد بنا الزمن وراء إلى تلك الحقبة، وتحدث واحد من أهل الإمارات عن ارتياد الفضاء أو إرسال مسبار إلى المريخ لاعتُبِر هذا حلماً بعيد المنال.

نعم إنه حلم، لكنّ هناك فرقاً بين الأحلام التي يقف وراءها رجال طامحون وقادرون على تحقيقها، وبين تلك الأحلام التي تُعدّ ضرباً من المستحيل في نظر البعض.

لقد كان قادة دولة الإمارات ومؤسسوها وأبناؤهم من ذلك الصنف من الرجال الذين إذا حلموا صمموا على تحقيق أحلامهم، وإذا قرروا كانوا على مستوى قراراتهم. لهذا كان ارتياد الفضاء واحداً من الأحلام الممكنة التي راودت عقول أهل الإمارات، وكان الوصول إلى المريخ واحداً من تلك القرارات التي اتخذها أبناء الإمارات، وقرروا أن تكون حقيقة على أرض الواقع.

كيف جاءت فكرة الذهاب إلى المريخ، وكيف تبلورت؟

جاءت الفكرة في خلوة وزارية استثنائية تم عقدها أواخر عام 2013 في جزيرة صير بني ياس، قاد خلالها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عصفاً فكرياً مع أعضاء المجلس، استعرض فيه جملة أفكار استعداداً للاحتفال باليوبيل الذهبي لقيام الاتحاد في عام 2021. يومها تبنت الخلوة فكرة إرسال مهمة لاستكشاف المريخ كمشروع جريء.

وخلال أسبوع من طرح الفكرة تمت دراسة إمكانية تحقيقها في مركز الإمارات للتكنولوجيا المتقدمة، الذي صار اسمه بعد ذلك مركز محمد بن راشد لعلوم الفضاء، وجاءت الإجابة نعم.. باستطاعتنا ذلك، ليقوم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بعرض هذا التحدي على أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتم اتخاذ قرار الذهاب إلى المريخ.

ولكن لماذا اختارت الإمارات الذهاب إلى هذه المنطقة الكونية البعيدة كي تحتفل بالوصول إليها تزامناً مع يوبيلها الذهبي؟

من يعرف دولة الإمارات وقادتها يعلم أنهم يعشقون التحديات، وليس ثمة تحدٍّ أصعب من هذا. ذلك أن هناك أربع دول فقط نجحت في الوصول إلى المريخ، هي: الولايات المتحدة والهند والاتحاد السوفييتي السابق ووكالة الفضاء الأوروبية، وإذا دخل «مسبار الأمل» العربي الإماراتي مداره بنجاح، غداً بإذن الله تعالى، فستكون دولة الإمارات بهذا الإنجاز الدولة الخامسة التي تنجح في إطلاق مهمات مريخية، وثالث دولة تصل إلى مدار المريخ بنجاح من المحاولة الأولى.

هكذا يتم تطويع الأحلام في الإمارات وتحويلها إلى حقائق على أرض الواقع. وفي هذا درس لكل من يسعى إلى الارتقاء بنفسه، والانتقال من أرض الحلم إلى فضاء الإنجاز، فالحلم حق مشروع لكل إنسان، لكن تحقيق أي حلم مرهون بقدرة الإنسان على امتلاك الأدوات التي تساعد على ذلك.

وقد امتلك قادة وشعب الإمارات هذه الأدوات، وفي صدارتها الأمل والثقة، وتسخير كل الموارد لتحقيق الحلم، وأول هذه الموارد الإنسان الذي هو سر نجاح أي فكرة، والأداة الأولى لبلورة الأفكار وتنفيذها.

وبغض النظر عن نسبة المخاطرة بوصول أي مسبار إلى المريخ، والتي اتضح من التجارب السابقة أنها 50%.. «لكننا نعتبر أننا حققنا 90% من أهدافنا من هذا المشروع التاريخي»، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الأسبوع الماضي.

صناعة الأمل والثقة هي حرفة أهل الإمارات. من هنا جاء اختيار الأمل ليكون اسماً للمسبار، ومن هنا كانت الثقة قاعدة لصناعة الأمل.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات