من يُشعل النّار يحترق بلهيبها

شهدت تونس، نهاية الأسبوع الماضي، أحداثاً مأسوية بالجملة، ولكنّ الرّابط الأساسي الذي يجمعها، هو أنّ الأزمة السياسية لها عنوان واحد: فشل السياسات الذريع، وتعاظم الخوف المجتمعي المشروع، وهو الأمر الذي دفع الاتّحاد العام التونسي للشّغل (اتّحاد العمّال)، إلى التأكيد على أنّ «الأزمة السياسية في تونس استفحلت، وبلغت حدّاً أصبح يهدّد كيان الدولة وأمنها ومصيرها».

وفِي استعراض لمظاهر الأزمة: نشدّد أوّلاً، على استمرار التجاذبات بين الرئاسات الثلاث، وبشكلٍ لم تنفع معه الوساطات بين رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، وحركة «النهضة» الإخوانية الماسكة بزمام البرلمان والحكومة، إذْ أكّد الرئيس، تمسّكه برفض قيام الوزراء المعيّنين مؤخّراً أداء اليمين أمامه، والذي يُعتبر شرطاً لصحّة إجراءات هذا التعيين، رغم تعدّد التأويلات.

وتبقى الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية، رغم محدوديتها، هامة وأساسية، خصوصاً في ضوء غياب المحكمة الدستورية، الذي تمكّن قيس سعيّد من توظيفه واستغلاله أيّما استغلال، إذ وفّر له هذا الغياب، فرصة استثنائية، لتعزيز صلاحياته الدستورية المحدودة، بسلطةِ تأويلٍ مطلقة، جعلته يكون صاحب الكلمة الأخيرة والفصل في تأويل الدستور، كما ذهب إلى ذلك صاحب «السّطوة العلمية» في هذا المجال، الأستاذ سليم اللّغماني، وقد أضيفت صلاحيات الرئيس المكتسبة هذه، إلى الدعم الشعبي له، الذي تؤكّده استطلاعات الرّأي، والذي تجلّى الأسبوع الماضي، من خلال الشّعارات التي رفعها مساندوه، بمناسبة جولة قام بها في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة.

نؤكّد ثانياً، أنّ المظهر الآخر للأزمة، هو أنّ النظام السياسي في تونس، بلغ مداه ومنتهاه، وأضحى من باب المكابرة، عدم الإقرار بهذا الواقع، وذلك على الأقلّ في مستوى القانون الانتخابي الحالي، الذي يحول موضوعياً دون إفراز أغلبية متجانسة قادرة على الحُكْمِ.

نسجّل ثالثاً، أنّ جوهر الأزمة في تونس، هو سياسي، وأنّ «الثّورة» أضافت إلى أزمة الفقر والحرمان المجتمعي، أزمة سياسية شديدة التداخل والتعقيد، بحُكْمِ السلوك المرضي لبعض الأطراف السياسية والحزبية، وكذلك لبعض من في النّخبة عموماً، وهو ما أدخل الاقتصاد والدولة، مرحلة الحرج الأقصى، وفتح الباب مجدّداً أمام شتّى أشكال الاحتجاج المجتمعي.

نعاين رابعاً، أنّ الأزمة الصحّية، أصبحت خارج السّيطرة، لغياب استراتيجية جدّية وواضحة، من أجل التصدّي لوباء «كورونا»، وهو الأمْرُ الذي زاد في حدّة الأزمة العامّة، وجعل كلّ المؤشّرات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في وَضْعٍ غير مسبوق من السلبية.

وسط تجاهل تامّ من الحكومة، ومن حركة «النهضة» المتحكّم فيها بالكامل، وفِي غياب معارضة فعلية وجدّية، قادرة على قلب الأوضاع، وتصحيح المسار، وتأمين عملية الإنقاذ، وفِي ضوء تمسّك الرئيس التونسي، وإصراره على الجوانب الشكلية في حماية الدستور، على أهمّيتها، في تركيز دولة القانون والمؤسّسات، ذلك أنّ الدستور التونسي، جعل على عاتق رئيس الجمهورية، مهمّات جسيمة، ليس أقلّها تحقيق كرامة المواطن، وتأمين سلامة الوطن.

ولعلّ أخطر المؤشّرات، والذي يجعل من عملية الإنقاذ مسألة عاجلة، وفرض عين على كلّ التونسيين، هو هشاشة المؤشّر الأمني، نتيجة الاحتقان المجتمعي، وكذلك نظراً لعودة شبح الإرهاب مرّة أخرى، إثر استشهاد أربعة جنود الأسبوع الماضي «نتيجة انفجار لغم تقليدي»، بحسب الرّواية الرسمية، مع ترجيح البعض لفرضية العمل الإرهابي.

ولا نريد العودة مرّة أخرى لمسألة ليست محلّ وفاق، وهي أنّه كلّما كانت جماعات «الإسلام السياسي» في وضعية الخطر، حملت لنا الأخبار، نبأ عملية إرهابية جديدة.

إنّ تونس الموبوءة بفعل «كورونا»، والمهدّدة في تماسك مجتمعها ودولتها، بفعل أطراف سياسية وحزبية احترفت تفكيك الدول وتخريب الأوطان، لا تزال أرضية خصبة للنّشاط الإرهابي، الذي وجد في مساعي تفكيك الدولة، وتأليب الشارع بعضه ضدّ البعض، سنداً وسبيلاً، وحاضنة تيسّر له المدد للقيام بالعمليات الإرهابية، عندما تقتضي أجندة البعض ذلك. إنّ الأزمة عمّت المكان، ولا شيء يدلّل على قرب انفراجها، وإنّ الخطر ملموس وظاهر، وقد يكون ما خفي أعظم.

إنّ المواطن التونسي، الذي خرج بكثافة إلى الشّارع للاحتجاج، هو في واقع الأمر، يبعث برسالة إلى الحاكمين، وهي: من يُشعل النّار، قد يحترق بها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات