الثقافة المالية غاية ووسيلة

إن نجاح أي فرد يعتمد على العديد من المهارات والعلوم والتجارب والخبرات الحياتية، ومن بين هذه التجارب «الثقافة المالية»، والتي يمكن تعريفها على أنها المعرفة والإدراك لكيفية إدارة الأموال والتصرف الحسن حال امتلاكها، بالإضافة للقدرة على كسبها، وربما تكون هذه الثقافة غائبة عند الكثير من شبابنا وربما لا نجدها عند الكثيرين في مجتمعنا، فما أن تجلس في مجلس أو تسمع برامج البث المباشر، حتى تجد قصة هنا وحكاية هناك لشخص يعاني بسبب المال وكيف أساء التصرف فيه، أو أنه لم يدرك مدى صعوبة الحصول عليه بعد أن اعتقد أن خزائن البنوك مفتوحة أمامه حتى تراكمت عليه الديون والقروض وباتت حياته جحيماً.

للأسف هناك الكثيرون ممن ليس لديهم الثقافة المالية التي يحتاجون إليها لتسيير حياتهم بشكل صحيح ومتزن، وخصوصاً فئة من شبابنا والذين ما أن يتسلموا وظيفة ويحصلون على أول راتب، حتى يعتقدون بأن المال لديهم لن ينفد أو ينضب، ومهما حاولت أن تكون الناصح لهم إلا أنهم يجدون بأنهم أكثر الناس إدراكاً لقيمة المال وكيفية المحافظة عليه أو استغلاله، وهم عكس ذلك تماماً.

المال شيء مهم جداً في حياتنا، ومن يقول عكس ذلك فهو مخطئ، فالجميع يحلم بامتلاك المال، ولكن ما هو أهم من امتلاك المال هو كيفية إنفاقه أو استثماره أو حتى الاستمتاع فيه، وهذا ما ينقص أجيالنا، فعندما تجد أن أغلبيتهم مكبلين بالقروض، وأن عائلات كثيرة تعاني من نزاع بين الزوج والزوجة بسبب المال، وأن الكثيرون يبالغون في مظاهر الإسراف الترفي، فحينها ستعلم أن هناك معاناة من تدني الثقافة المالية في المجتمعات، فحتى من يصلون لمراتب عليا دراسياً، لا يجيدون التعامل مع المال، ولهذا يجب تكثيف التوعية بكيفية الإنفاق وطرق الاستثمار والادخار، فضلاً عن إطلاق البرامج والمبادرات لزيادة الوعي بتأثير المال على حياتنا، وكيف يمكننا بناء حياة سعيدة متزنة عقلانية بما نملكه من مال.

الثقافة المالية ليست مقتصرة على فئة الشباب، فحتى الأطفال يجب أن يمتلكوا هذه الثقافة، وأن نعلمهم قيمة المال والمجهود الذي نبذله للحصول عليه، ومن أهم الأساليب التي يمكن اتباعها مع الأطفال، أن نقوم باعتماد طريقة المصروف الأسبوعي، بحيث نعطي الطفل الفرصة بأن يخطط لكيفية صرف ما لديه دون أن يحتاج لزيادة في المصروف، وهذه الطريقة تعلم الطفل كيف يقسم المال، وكيف يدخر بعضاً منه لشراء ما يريد، ومسألة الثقافة المالية لا تقتصر على هذا الأمر فحسب، بل يجب أن يخصص لها حصصاً ومناهج داخل المنظومة التعليمية لإنشاء جيل قادر على التصرف بأمواله ويعرف كيف يديرها.

الثقافة المالية يجب أن تكون جزءاً من الحل لتوعية الأجيال بمسألة القروض وكيفية بناء مستقبل مستقر مادياً، ويجب إدخال الثقافة المالية في جميع المراحل التعليمية، بالإضافة للمبادرات المجتمعية وصولاً لتخصيص مساحة لها في البرامج التلفزيونية والإذاعية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

نحن في عصر يتطلب منا الكثير من المهارات والعلوم والقدرات لنستطيع مواكبته ومواكبة متغيراته وظروفه السريعة، والثقافة المالية واحدة من هذه المهارات التي يجب أن نمتلكها لتسيير حياتنا بالشكل الصحيح، ولهذا من الواجب أن نزيد من جرعة الثقافة المالية لأنها وسيلتنا لبناء مجتمع مستقر، وغاية نطمح بأن يصل إليها كل فرد في المجتمع، فحينما نسلح شبابنا بهذه المعرفة سندفعهم للتفكير الإيجابي بالاستثمار والادخار والابتعاد عن مظاهر الترف والمبالغة في الإنفاق، وهذا ما سيصب في خدمة الوطن وقدرته على مواكبة متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية والتي ستعتمد بشكل أكبر على قوة كل فرد في إدارة أمور حياته، بما فيها الشؤون المالية.

نتطلع لتبني هذا الطرح، ونجد أن مجتمعنا بات يدرك قيمة المال وكيفية التعامل معه، وحينها ستزداد نسبة رواد الأعمال بين شبابنا بما يرفد الاقتصاد الوطني.

 

 

 

طباعة Email