دمعة فرح

«عندما أتذكر ذلك الصباح من يناير 1979 يعاودني إحساس الحزن الموجع نفسه بكل حدته. كانت طهران تعاني هجوماً ضارياً منذ شهور، لكن صمتاً متوتراً يخيم الآن على المدينة كما لو أن عاصمة بلدنا تحبس أنفاسها فجأة.

اليوم السادس عشر من الشهر، ونحن على وشك مغادرة بلدنا، بعدما ارتأينا أن انسحاب الملك مؤقتاً، ربما يساعد في تهدئة العصيان المسلح». بهذه العبارات بدأت فرح بهلوي، إمبراطورة إيران السابقة مذكراتها.

قبل ذلك بعام تقريباً، في ديسمبر 1977، كان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وقرينته يقومان بزيارة رسمية إلى الهند. وفي الطريق توقفا في طهران للاحتفال ببدء عام 1978 مع الشاه محمد رضا بهلوي وقرينته فرح. عن هذه الزيارة تقول الشهبانو: «أوضحت هذه الحقيقة في حد ذاتها الانطباع القوي الذي تركه الملك في نفس الرئيس الأمريكي الجديد.

فبعد أن رحب زوجي بانتخاب رئيس ديمقراطي، اعتبر أن الاهتمام الذي أبداه السيد كارتر دلالة طيبة على المستقبل. ودعونا الزوجين الأمريكيين إلى عشاء 31 ديسمبر 1977 في قصر «نياوران». وفي عشية ذلك العام، 1978، الذي سيتضح أنه عام درامي للغاية، أعرب الملك عن ثقة في المستقبل لا أنساها».

وقد كان 1978 عاماً درامياً بحق في إيران، ففي السابع من يناير 1978 اندلعت أولى التظاهرات في قم احتجاجاً على مقال نشرته صحيفة «اطلاعات» اليومية يسيء إلى الخميني، الذي كان قد تم نفيه من إيران، واتخذ طلاب الدراسات الإسلامية في المدينة من المقال ذريعة للخروج إلى الشوارع.

وسرعان ما خرجت الحركة عن نطاق السيطرة. وفي التاسع من يناير هاجمت التظاهرات مباني حكومية، وتم مهاجمة كل ما اعتبره المتظاهرون رمزاً للحداثة، مثل دور السينما والمطاعم ومدارس البنات، واضطرت الشرطة للتدخل.

ثم توالت الأحداث والاضطرابات طوال ذلك العام، وكان أكثرها إثارة الحريق الذي شب بدار سينما ركس في عبدان، واحترق فيه أكثر من 400 شخص أحياء، والذي تؤكد فرح بهلوي في مذكراتها أنه كان من تدبير الأصوليين المتعصبين، حيث أظهر التحقيق أن مدبر الحريق، الذي يبلغ التاسعة عشرة من عمره، عضو في جماعة «جمشيد» المتخصصة في عمليات التخريب، وأنه قد فر إلى العراق، ثم أنقذته «الثورة الإسلامية»، على حد تعبيرها.

وجاء شهر يناير من عام 1979. «وبدأ الجليد يتساقط بغزارة فوق طهران... وخيم الحزن العميق تدريجياً على القصر بكامله. كان الناس يقومون بأعمالهم كالمعتاد، ولكن كالكائنات الآلية، وأحياناً أمرّ بواحد منهم يبكي في صمت. قلت لهم إننا سنعود. وأرادوا تصديق ذلك، مثلما أردنا تماماً، لكننا شعرنا من أعماقنا بالرجفة نفسها في قلوبنا. أي اضطرابات درامية يخبئها لنا التاريخ؟».

هكذا كتبت فرح بهلوي في ختام الفصل السابع عشر من مذكراتها، منهية بذلك فصلاً مهماً من تاريخ إيران الحديث، وبادئة رحلة المنافي التي عاشتها أسرة بهلوي منذ غادرت إيران على أمل العودة إليها بعد أن تهدأ الأمور، لكنها لم تعد إليها، والأمور لم تهدأ.

كانت أولى المحطات مدينة أسوان في مصر، حيث استقبلهما الرئيس المصري الأسبق أنور السادات وقرينته. ثم توالت المحطات بعد ذلك، فكانت المغرب هي المحطة الثانية بدعوة من الملك الحسن الثاني، الذي أصر على استضافتهم رغم التهديدات التي نقلها إليه ألكسندر دو مارنش، قائد القوات الفرنسية الخاصة، بقيام المتعصبين التابعين لـ«الثورة» في إيران بخطف أفراد من الأسرة الملكية الحاكمة في المغرب لمبادلتهم بهم. «ومع هذا الوضع، صار الآن العثور على ملجأ آخر أمراً ملحاً. وانسحبت فرنسا، فهي، وفقاً للسيد دو مارنش، لا تستطيع أن تضمن سلامتنا.

وانطبق الأمر نفسه على سويسرا، رغم أنها رأت وجود احتمالية في المستقبل، كما انطبق على إمارة موناكو، حيث كان ابننا رضا قد ذهب إليها. وكانت الإمارة قد وافقت في البداية، قبل أن تسحب عرضها تحت ضغط من فرنسا.

وكان «ربما فيما بعد» هو الرد الأساسي من الولايات المتحدة... كانت لدينا علاقات مع معظم بلدان العالم، بعضها علاقات وثيقة وعلاقات صداقة، والآن يديرون جميعهم ظهورهم لنا». هكذا عبرت فرح عن حزنها لمواقف الأصدقاء منهم، ولم يكن هذا غريباً على أي حال.

رحلة طويلة تنقلوا خلالها بين جزر البهاما والمكسيك والولايات المتحدة وبنما، قبل أن يعودوا إلى مصر، بعد أن أغلقت البلدان كلها أبوابها في وجوههم، حيث توفي الشاه ودُفن، بينما بقيت دمعة فرح تسيل على خدها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات