العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الثورات الفاشلة تأكل أبناءها

    تشهد تونس منذ ما يزيد على أسبوعين احتجاجات شملت جلّ المحافظات الداخلية وكذلك العاصمة، وهذا الحراك المجتمعي كان ردّة فعل غاضبة ضدّ السياسات التي اتّبعتها الحكومات المتعاقبة منذ أكثر من عشرة أعوام، وهي سياسات بان عقمها وفشلها في تحقيق انتظارات المواطن التونسي، الذي وصل إلى حالة من الإحباط والإعياء غير مسبوقة.

    ولأنّ الحكومات المتعاقبة، وهذه الحكومة تحديداً، التي تحمل وزر الإرث السلبي الثقيل لتلك التي سبقتها، ليس لها ما تقدّمه لجمهور المحتجّين، فهي تعمد إلى سياسة التصدّي بالقوّة لموجة الاحتجاجات المتصاعدة، وهو ما زاد من حالة الاحتقان المجتمعي، وعمّق الهوّة بين الحاكم والمحكوم.

    ومقابل الفشل في إيجاد الحلول المناسبة للأزمة الاقتصادية والصحّية، يعيش المشهد السياسي عموماً على وَقْعِ أزمة كبرى، تؤكّد من يوم لآخر أنّ النّخبة السياسية والحزبية في تونس ما بعد «الثورة» لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى معرفي وأخلاقي وسياسي يؤهّلها لتسيير الشّأن العام ولممارسة الحُكْمِ.

    ومن مظاهر هذه الأزمة، ما نلمسه من أزمة سياسية جدّية بين مؤسّسات الدولة، إذ بات من الواضح أنّ مؤسّسة رئاسة الجمهورية تكاد تكون في قطيعة مع مؤسّسة البرلمان الذي تهيمن عليه حركة «النهضة» الإخوانية، وكذلك مع حكومة هشام المشيشي الذي يبدو أنّ «شعرة معاوية قطعت» بينه وبين رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

    وإذا كان من المعلوم أنّ رئاسة الجمهورية هي، كما ذهب إلى ذلك أستاذ القانون العام التونسي سليم اللّغماني، تمثّل الحلقة الأضعف من الناحية الدستورية قياساً بالحكومة والبرلمان، فإنّها ما تزال الأقوى في المجتمع «الذي يُبدي تعاطفاً واضحاً مع رئيس الجمهورية في صراعه مع «النهضة» الإخوانية المتحكّمة في الحكومة والبرلمان، وهو تعاطف مستمرّ رغم أنّ هذا الأخير بقي إلى حدّ الآن رهين خطابه الشّعبوي ولَم تصدر عنه أفعال سياسية من شأنها أن تغيّر من الواقع السياسي والحزبي المتردّي، ذلك أنّ دستور البلاد يخوّل لرئيس الجمهورية بعض الصلاحيات التي، على محدوديتها، قادرة على إرباك منافسيه، وعلى إضفاء بعض المصداقية على قوله وفعله».

    إنّ رئيس الجمهورية اكتفى إلى الآن بتوجيه «الرسائل» إلى حركة «النهضة» وإلى رئيسها راشد الغنّوشي من دون أن يرتقي هذا السلوك إلى فِعْلٍ سياسي واضح المعالم ومن شأنه أن يُراكم في اتّجاه تغيير يفتح باباً للأمل في مجتمع تتحقّق فيه كرامة وحرّية المواطن وعزّة الوطن.

    وقد يكون رئيس الجمهورية آثر عدم الفعل تجنّباً للوقوع في محظور الأخطاء، ولكنّ أغلب المتابعين يرون أنّه كان بإمكانه الاستفادة من حالة التشرذم التي يعرفها المشهد الحزبي والبرلماني، وخصوصاً في ضوء التطوّرات الأخيرة في البرلمان، الذي شهد تجاذبات وصلت مرحلة استعمال العنف الجسدي.

    وقد كانت جلسة المصادقة على التعديل الوزاري، الأربعاء الماضي، مناسبة للتيقّن من أنّ درجة الاحتقان بين الأطراف السياسية بلغت ذروتها، وأنّ العنف المادي واللّفظي أضحى من الوسائل الدارجة في التعاطي بين أعضاء مجلس نواب الشّعب (البرلمان)، وخصوصاً من طرف إحدى الكتل البرلمانية المتطرّفة، والتي تعتبرها جلّ الأطراف السياسية والحزبية والمجتمعية من جيش الاحتياط بالنسبة لحركة النهضة «الإخوانية»، وهي عادة ما تقوم بأفعال مشينة بالوكالة عنها، ومن ذلك ما قام به رئيس كتلة «ائتلاف الكرامة» ضدّ رئيسة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي في البرلمان، الأربعاء الماضي.

    وإنّ في تزامن تنامي موجة العنف المادّي واللّفظي بين الأحزاب مع ما تردّد من محاولة تسميم رئيس الجمهورية بواسطة طرد مشبوه، ما يزيد حدّة هذه المخاوف والمخاطر، ويطرح تساؤل جدّي حول مدى تجذّر السلوك الديمقراطي لدى بعض الأحزاب التي لا يزال بعضها متشبّثاً بحلمه «الثوري» والبعض الآخر يقف على طرف نقيض مع الفكر الديمقراطي.

    إنّه من الواضح أن «الثورة» التي افتقدت لخلفية معرفية وفكرية وسياسية وقيمية ذات بعد حداثي وديمقراطي، تحوّلت إلى ثورة مضادّة تأكل أبناءها وتمهّد السّبيل لعهد جديد من الاستبداد السياسي، وإنّ أبشع أشكال الاستبداد هو ذلك الذي ينبني على مطلق الحقائق، ويستند إلى توظيف الأديان، ويقضي تدريجياً على مقوّمات المعرفة، ويؤسّس لمجتمع الخرافة والجهل، وينتهي إلى نقيض المجتمع الديمقراطي، وإنّ تونس، للأسف، على هذا الدرب المظلم تسير.

    طباعة Email