غزو الذكاء الاصطناعي

خلال الأيام الأخيرة ومنذ بداية العام الجديد، باشرت شركات الروبوتات والذكاء الاصطناعي، في ضخ منتجاتها إلى الأسواق بشكل واسع جداً، وبتقنيات كان العالم يعتبرها مجرد خيال، وفي كافة القطاعات، إنها أشبه بمرحلة ولادة للعالم من جديد، مرحلة تحول في تاريخ الصناعات، هذا التحول الذي بدأ الاستعداد والتحضير له خلال أربعين عاماً مضت، نلمس ما أنتجه ذلك التحضير طيلة تلك الفترة مع بواكير هذا العام فقط.

قال أحد العلماء «الخيال يسبق المعرفة»، وكما يبدو فإن ما قرأه العالم بالأمس البعيد عن تصورات للتكنولوجيا وأدواتها وابتكاراتها، وجاءت في شكل قصص خيال، وكان العالم يرى فيها ضرباً من الخرافة، تمثل اليوم كل تلك الابتكارات المروي عنها، وحتى ما لم يرقَ إلى مستوى التصور والخيال قديماً، تمثل علماً يجسد تفاصيل أهم ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية عبر تاريخها، فخيال الأمس يمثل جزءاً أصيلاً من هذا العلم، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله والمعرفة تمثل بدورها الجزء الآخر من هذه المكتسبات التي بلغتها وحققتها الإنسانية.

وبقدر ما يجب الانتباه إلى ضرورة الاهتمام بعلوم اليوم في شكلها الذي وصلته اليوم بقدر ما ينبغي الاهتمام كذلك بمسألة التصورات المبتكرة التي سترتكز عليها بالضرورة علوم المستقبل، وفي كافة المجالات بدون استثناء، وهذا الدور تلعب فيه كافة المؤسسات في المجتمع، عامة وخاصة، بل هو دور عالمي، خصوصاً وقد بلغنا الرؤية التي تحققها التكنولوجيا كون العالم قرية واحدة.

كما ونجد أن هذه البدايات لتظاهرة الذكاء الاصطناعي التي تتميز بمستوى عالٍ من الكثافة والكثرة، ستقابلها بالضرورة مستويات عالية من التفاعل، ما سيجعلها ترتقي إلى مستويات أكثر إبداعاً مما هي عليه، وكذلك سنجد أن هناك أسواقاً جديدة لمنتجات الذكاء الاصطناعي ستعمل على الضغط على شركات المنتجات التقليدية وتضطرها إلى إحدى طريقين، الأول هو إغلاق مؤسساتها، والآخر هو إعادة النظر في منتجاتها وخوض مجال التنافس بابتكارات تناسب الأجيال الجديدة من صناعات التكنولوجيا. ولعل هذا قد كان بالفعل منذ عقدين من الزمن، لكنه لم يشمل جميع الصناعات، وقد اضطرت بعض الشركات التقليدية حينها إلى التنحي جانباً عن حيز المنافسة، وحولت توجهاتها نحو اهتمامات أخرى بعيدة كل البعد عما كانت عليه. لكن اليوم فسيتعمم هذا على جميع الصناعات بلا استثناء، ستخلو الساحة إلا من القادرين فقط على خوض لعبة التكنولوجيا والمغامرة في صناعاتها التي تعتمد أساساً على الابتكار، أهم عمود يمكن الحديث عنه في سياق هذه التجربة العالمية الحداثية إلى أبعد حد.

إن التطور الشمولي والنهضة الشاملة للبشرية بأدوات التكنولوجيا ووسائلها يمكن الحديث عن تحققها في كافة القطاعات ولمسها في كافة المجالات، ورؤيتها بوضوح من خلال فترات زمنية محددة، ويمكن اعتبارها معياراً للرؤية وهي محددة بين خمسة إلى عشرة أعوام، وأحياناً تحدد بعشرين عاماً كخطة طويلة الأمد.

ولعلنا في بداية المرحلة الثانية للتكنولوجيا التي بدأت ملامحها في التشكل منذ عشرين عاماً، وفي هذه المرحلة الثانية، وخلال عشرين عاماً قادمة يمكن تقسيمها إلى أربع مراحل، كل مرحلة تمتد لخمسة أعوام، ولها خطط مستقلة وإنجازات مغايرة وأكثر تطوراً عن مراحلها السابقة، ويظل التحديث والتطوير في كل مرحلة حتى بلوغ الاكتمال الكلي والشمولية التي ستعم جميع المجالات وكافة الصناعات في كل أنحاء العالم وصولاً إلى مرحلة الذروة للنظام المعرفي.

إن الحضارة الإنسانية ورقي الممارسة البشرية مرهونة برقي العقل البشري ورقي أخلاقيات البشر، وعندما نتحدث عن طفرات التكنولوجيا وازدهار أسواقها فإننا نعبر عن حالة الرقي العقلي التي تعكسها هذه الإنجازات العلمية، وبالضرورة أن يزدهر العالم البشري في أخلاقه وثقافته وفنونه مقابل ازدهار العقل، حتى يتحقق الاكتمال الكلي للنموذج الإنساني، وبالضرورة يجب أن يعمل العالم معاً من أجل مناهضة جميع مظاهر الاختلالات الاجتماعية التي سادت في عصور ضعف العقل البشري، ولربما تحققت نظرية المدن الفاضلة بفضل النظم المعرفية وأدواتها، والتي ظلت هاجساً صعب المنال في خيال الفلاسفة القدامى وأحلامهم. وللحديث بقية.

* خبيرة اقتصاد معرفي

طباعة Email