ماليزيا وحالة الطوارئ!

وافق ملك ماليزيا، السلطان عبد الله ابن السلطان أحمد شاه، في 12 يناير الجاري، بعد تشاوره مع سلاطين ماليزيا التسعة، على اقتراح من رئيس وزرائه، محيي الدين ياسين، بإعلان حالة الطوارئ في البلاد، بهدف السيطرة على جائحة فيروس «كورونا» المستجد، باتت تشكل تهديداً لنظام الرعاية الصحية.

وبموجب هذا الإعلان، تم تعليق أعمال البرلمان، وتأجيل فكرة إجراء انتخابات عامة مبكّرة إلى أجل غير مسمى، وحظر التنقّل بين الأقاليم. وقام ياسين بتفويض الجيش كامل صلاحيات تطبيق الطوارئ في البلاد.

وفي محاولة منه لطمأنة الماليزيين، ظهر على شاشة التلفزيون، ليقول إن الإجراءات المتخذة، والتي قد تستمر حتى أغسطس، ليست انقلاباً على الدستور، كما أشاع البعض المغرض، ولن يرافقها منع التجول، ولن تستبدل الحكومة المدنية بأخرى عسكرية، علماً بأن ماليزيا لم تشهد إعلاناً لحالة الطوارئ منذ عام 1969، حينما اضطرت الحكومة لتطبيقها لقمع أعمال الشغب، واحتواء الاضطرابات والتظاهرات الشعبية آنذاك.

ومما لا شك فيه، أن هذه الإجراءات، تعطي ياسين فرصة لالتقاط الأنفاس، وتمنحه وقتاً كافياً لتوحيد صفوف حزبه (حزب بريكاتان ناسيونال)، وتهيئة أنصاره جيداً لخوض الانتخابات العامة المقبلة، التي وعد بها، وذلك في مواجهة خصومه المتربصين به، وعلى رأسهم رئيس الحكومة السابق، مهاتير محمد، والسياسي الطموح أنور إبراهيم.

والأخيران كانا يوماً ما من حلفائه، قبل أن يغيّر موقفه، من خلال موافقته على طلب عاهل البلاد باستلام السلطة، تخلصاً من مناورات مهاتير السياسية المعروفة وطموحاته.

والمعروف في هذا السياق، أن ياسين قضى شهوراً يعاني من تحديات كبيرة، واجهت زعامته، في ظل تحالفات ومؤامرات المعارضة، لإسقاط حكومته، وإجراء انتخابات مبكرة، بدليل أن نواب المعارضة قدموا في العام الماضي، أكثر من عشرين طلباً لسحب الثقة منه. غير أنه استند إلى أحكام إجرائية لمنع انعقاد جلسات طرح الثقة البرلمانية.

وفي المقابل، يرى خصوم ياسين، أن حالة الطوارئ ليست سوى محاولة، يطيل بها بقاءه في السلطة، بعدما خسرت حكومته الائتلافية غير المنتخبة، مؤخراً، دعم نائبين منتميين إلى حزب «أومنو» (أكبر وأقدم أحزاب ماليزيا، حيث تأسس عام 1946، وقاد البلاد إلى الاستقلال والوحدة، وحكمها دون انقطاع من عام 1957 وحتى 2018)، فصارت حكومة أقلية، يدعمها 109 نواب، من أصل 222 نائباً، فإن آخرين يرون أن ما تمر به ماليزيا من ظروف صحية، يستدعي فعلاً تطبيق حالة الطوارئ، بدليل ارتفاع حالات الإصابة بفيروس «كورونا»، إلى أكثر من 33 ألف إصابة، بعد أن كان عددها في أواخر سبتمبر المنصرم، عشرة آلاف إصابة.

فإذا ما علمنا أن البلاد استهلكت تقريباً كامل طاقاتها من الأسرّة بوحدات العناية المركزة في المستشفيات العامة، فإن اللجوء إلى إعلان الطوارئ، كان ضرورياً، من أجل الاستيلاء المؤقت على خدمات المرافق الصحية الخاصة، لتوظيفها في سدّ النقص.

غير أن هذا لا ينفي أن نجاح ياسين في الحصول على موافقة عاهل البلاد، على إعلان حالة الطوارئ، بعد أن كان قد رفض طلباً مماثلاً في أكتوبر الماضي، لأن الأمور لا تستدعي ذلك (وقتها رأت أحزاب المعارضة، أن رفض الملك، هو بمثابة توبيخ لياسين، وعدم ثقة في سياساته، ودعوا الملك لإقالته بالطريقة التي عينه بها في مارس 2020، أي بمرسوم)، له تداعيات سلبية على أحزاب المعارضة المتقاتلة على السلطة، والمنقسمة على نفسها، والمتعددة في توجهاتها وولاءاتها بشكل غير مسبوق في تاريخ ماليزيا السياسي.

ذلك أن سريان حالة الطوارئ لأشهر عدة، يعيق عمل هذه الأحزاب، لجهة عقد الندوات والتجمعات الجماهيرية لشحذ الأنصار، كما أنه يحد من الاجتماعات الخاصة بعقد التحالفات السياسية الجديدة، والمساومة على المناصب والحقائب الوزارية، في حال الوصول إلى السلطة، بديلاً عن حكومة ياسين.

وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى أنه بموجب الصلاحيات الدستورية، والسلطات التقديرية التي يتمتع بها الملك، يمكنه إنهاء مدة سريان حالة الطوارئ، متى ما رأى أن ظروف البلاد الصحية لم تعد مقلقة، علماً بأن الملك الحالي، السلطان عبد الله، قد يفعلها قبل أغسطس المقبل، فهو بحق مختلف تماماً عن كل أسلافه من ملوك ماليزيا، لأنه أسس لشيء جديد، هو لعب دور سياسي، رغم أن الدستور يحصر دوره في تمثيل الأمة ككل، والقيام بالواجبات السيادية والبروتوكولية فقط.

وهذا الدور، لئن تجلّى العام الماضي في تعيينه حكومة غير منتخبة (حكومة محيي الدين ياسين)، فإنه تجلى أيضاً في الضغط على عدد من الساسة، طالباً منهم وقف مناوراتهم السياسية العقيمة، المستندة إلى أجندات وطموحات شخصية، والالتفات بدلاً من ذلك إلى توحيد الأمة، وتجسير الخلافات الإثنية، وحل مشاكل البلاد الاقتصادية.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات