العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «الربيع» العربي أو الخراب المضمون

    يقول المثل «بلغ السّيل الزُّبى» ولَم يعد معه من الممكن غضّ النظر أو السكوت عمّا جرى ويجري في بعض الأقطار العربية، ومنها تونس تحديداً، ذلك أنّ موجة «الربيع العربي» هي بصدد التحوّل بصفة نهائية إلى رياح عاتية عصفت وتعصف بأُسس الدول والمجتمعات التي مرّت بها. وحيث كان من المنتظر أن تشهد هذه الدول والمجتمعات هبّة نماء وحرّية تؤمّنان انتقالاً ديمقراطياً يفتح الطريق أمام المواطن، كي يحقّق شروط العيش الكريم، أفاقت هذه المجتمعات على مزيد البؤس والفقر والحاجة والتسلّط والجور، بما جعلها تعيش فعلاً وضعاً انتقالياً، ولكن نحو مزيد من الاستبداد وفِي اتّجاه تدمير مقدّرات الدول الوطنية، فانقلب بذلك حلم المواطن بالحرّية والكرامة إلى كابوس حقيقي.

    فتونس التي كانت على مدى تاريخها نموذجاً متفرّداً في محيطها الجغرافي والحضاري من حيث انفتاحها على مظاهر الحداثة والتحديث، تكاد تصبح في خبر كان، بعد أن نجحت حركة «النهضة» الإخوانية في الوصول إلى الحُكْمِ، وسط حالة بهتة وشلل ودهشة جلّ الأطراف السياسية والحزبية سنة 2011 وبمساعدة لافتة من قوى إقليمية ودولية.

    ولَم تكن هذه القوى الإقليمية والدولية قادرة حينها على رؤية حجم المخاطر والدمار الذي قد يلحق العالم جرّاء الانسياق في خيار دعم قوى دينية في جوهرها، وهي حاملة لعباءة السياسة فقط من باب المناورة والمكر السياسييْن. وهذا «العمى» الذي أصاب هذه القوى الإقليمية والدولية تسبّب بدمار قد يستحيل تداركه في تونس وفي غيرها من الدول والمجتمعات التي شملتها تجارب «الخراب العربي».

    وفي تونس اليوم، نعاين بوضوح كبير حجم الدمار الذي لحق بالمجتمع والدولة، وضرب في العمق مقدّرات الوطن والمواطن، وفتح الباب مشرعاً أمام حركة «النهضة» الإخوانية المتحكّم الفعلي في الحُكْم والحكومة لممارسة شتّى أشكال التسلّط ضدّ المواطن، وذلك في غياب أبسط الحلول التي يمكن لحاكم أن يقدّمها لشعب أخذ منه الفقر والاحتياج مأخذه.

    إنّ الحكومات المتعاقبة منذ 2011 فشلت بالمطلق في إيجاد الحلول المناسبة للأزمة الاقتصادية والمجتمعية، ولم تستطع تأمين القدر الأدنى من الشروط التي تحقّق كرامة الفرد، وتؤمّنه ضدّ الخوف، وهو ما دفع طوال الأيّام الماضية المواطنين في مناطق عدّة من البلاد إلى الخروج احتجاجاً على السّياسات المخاتلة لجلّ هذه الحكومات، والتي حادت عن سواء السّبيل، واتّخذت من السلطة مطيّة لتحقيق المغانم بعيداً عن مصلحة الوطن ومطامح المواطن.

    رقعة الاحتجاجات اتّسعت مؤخّراً بشكل مخيف، ولا يبدو أنّ الحكومة قادرة على تلبية المطالب الملحّة للمواطنين الذين ضاقت بهم الدنيا، وأصابهم الإحباط ومقابل هذا العجز، عمدت الحكومة إلى تشديد خطابها تجاه المحتجّين مستغلّة انحراف بعض هذه الاحتجاجات عن مسارها السلمي.

    وبالطبع كانت هذه الاحتجاجات مناسبة للكشف عن الوجه الخفيّ لحركة «النهضة» الإخوانية التي أعلن أحد قادتها (عبد الكريم الهاروني) استعداد حزبه تقديم «المساعدة» للأجهزة الأمنية من أجل التصدّي للمحتجّين، وهو ما يؤكّد أن مثل هذه الحركات لم تقطع مع التنظيمات والميليشيات الموازية لأجهزة الدولة، وهي تلتجئ إليها كلّما اقتضى الأمر ذلك.

    مرّة أخرى، يتبيّن للمواطن أنّ الأصل عند حركات «الإسلام السياسي» هو العمل الموازي للدولة، ما دامت هذه الدولة غير مضمونة بالكامل في تقديرها، ومرّة أخرى يتّضح بما لا يدع مجالاً للشكّ أن الهدف الاستراتيجي لمثل هذه الأحزاب هو في تضارب تامّ مع مطمح التونسيين في الكرامة والحرّية وبناء دولة ديمقراطية.

    وإنّ إلقاء نظرة على الواقع الميداني والمعيشي التونسي، يؤكّد جملة من الحقائق التي لا لُبْسَ فيها؛ أزمة اقتصادية غير مسبوقة زاد في حدّتها وباء «كورونا»، واحتقان اجتماعي يمهّد لانفجار وشيك وساحة سياسية محكومة بمنطق الغنيمة والتحيّل، وحكومة رهنت نفسها لإرادة أحزاب همّها الوحيد هو تحقيق المنافع والمغانم وبرلمان في حالة شلل تامّ، وهو كذلك ما دامت الأزمة الداخلية لحركة «النهضة الإخوانية» لا تزال قائمة، وما دام عالم يتفرّج على هذه التجارب المخبرية، ويغيّر من حين إلى آخر بعض عناصرها.

    وفِي الوقت ذاته، هو يتابع ما يجري هناك في الولايات المتحدة الأمريكية.. هناك صمدت الديمقراطية ضدّ المدّ الشعبوي والفوضوي، وهذا الصمود مردّه الأساسي استقرار المؤسّسات الضامنة لفرض القانون، أمّا والوضع على ما نحن فيه من تهاوٍ للدولة ولمؤسساتها فالخراب مضمون.

    طباعة Email