اشتراكي أم رأسمالي أيهما أنجح؟

في تاريخنا الحديث لم نشهد صراعات حقيقية بين النظام الاشتراكي أو النظام الرأسمالي، فمنذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا والنظام الرأسمالي هو السائد في هذا العالم، ولا يوجد نموذج مغاير لهذا السائد ينافسه أو يزاحمه إلا ما نسمعه عن النظام في كوريا الشمالية، والنظام الصيني الذي يقترب من النظام الاشتراكي في كثير من النقاط، ويبتعد عنه في الكثير من النقاط أيضاً.

وربما يفكر البعض أو يتساءل لماذا تطرح هذه المقارنة وكل شيء قد تغيّر، وأصبحت الرأسمالية هي النظام المالي والسياسي الذي لا ينافسه ولا يتنافس معه أي نظام آخر، وقد يعتقد البعض أن هذا الطرح قديم وقد عفى عليه الزمان، إلا أن الحقيقة والواقع يقول عكس ذلك بكثير، فمع صعود الصين اقتصادياً بهذا الشكل الملفت للانتباه، وتزاحمها على قيادة العالم ومشاركتها لكرسي الزعامة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي هي أصل الرأسمالية وأبوها الروحي لا بد لنا من التفكير ما الذي سيحصل لو وجدنا الصين على كرسي الزعامة في قادم السنوات، هل ستحاول تطبيق نظامها على الاقتصاد والسياسة العالمية، أم الرأسمالية قدرنا ونتاج تطوّرنا ولا يمكن وقف هذا النظام في قادم السنوات، مهما كانت المنافسة قوية ولديها الإمكانيات المنافسة؟!

استعدوا لعالم يشبه الصين، هكذا يرى الكثيرون مستقبلنا في ظل الصراع الأمريكي الصيني، وأن الكثيرين يرون أن الصين ستُصّدر نظامها وفكرها للعالم، وستقول إنه النظام الأفضل لرسم ملامح العدل والمساواة والتشاركية والضبط والربط، على عكس الرأسمالية التي يؤكل فيها الضعيف، وتسمح للتجار بأن يتحكموا بالأسواق وحركة التجارة والأسعار، وأن هذا النظام يأتي لنا بالأزمات الاقتصادية بين حين وآخر، وما زلنا حتى الآن في حيرة من أمرنا أيهما أفضل؛ الرأسمالية أم الاشتراكية؟!

أمريكا حكمت العالم بالرأسمالية وأفكارها، وأصبحت أكبر اقتصاد في العالم، وجميع دول العالم مرتبطة بأمريكا اقتصادياً وسياسياً وحتى فكرياً وأسلوب حياة، والصين بفكرها الشيوعي الاشتراكي استطاعت أن تصل لثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر دولة من حيث الإنتاج الصناعي، ومتحكمة بالكثير من سلاسل التوريد العالمي، وسنوات قليلة تفصلها لأن تصبح القوة الاقتصادية الأولى عالمياً، وأصبح لها تحركات سياسية سيكون لها وزن وثقل في السنوات المقبلة، وتحالفاتها الاقتصادية شرقاً وغرباً ومشاريعها العالمية الضخمة أصبحت محط أنظار العالم، وهذا النجاح لكلتا التجربتين يُصعّب علينا المقارنة، والوصول لإجابة واضحة؛ أيهما أفضل؟!

من خلال ما عرضناه يمكننا أن نصل لنتيجة واضحة أن ما هو مهم ليس الطريقة والمنهج إنما النتيجة، والعالم اليوم بات أمام نموذجين ناجحين حققا الكثير من المكاسب، واستطاعا من خلال استراتيجيتين مختلفتين تماماً ومتعارضتين مع بعضهما البعض أن يصلا إلى النجاح، وما هو مهم فعلاً هو تأثير كل نموذج في تحسين حياة البشر والوصول بهم لمستويات معيشية متوازنة وحياة كريمة، وهذا ما صنعه النظام الأمريكي للأمريكان، وهذا ما صنعته الصين لشعبها الذين يصلون في تعدادهم لأكثر من مليار و400 مليون نسمة.

العالم اليوم بات أمامه نموذجان متكاملان لهما مقوماتهما، وفي هذه النقطة تحديداً يمكننا القول إن ما يناسب دولة معينة، ليس بالضرورة أن يناسب دولة أخرى، وليس من المنطق أن يسير العالم وفق نموذج أوحد لا يناسب الجميع، ولا يتناسب مع طبيعة بعض الشعوب، ونحن في هذا الزمن تحديداً سنشهد العديد من المتغيرات وسيصبح في هذا العالم العديد من النماذج السياسية والاقتصادية المرتبطة والمترابطة، بل ستختار بعض الدول الجمع بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي للخروج بنظام يحافظ على سلطة الدولة وقدرتها على السيطرة على الأسواق، مع الحفاظ على مفهوم الملكية الخاصة.

من وجهة نظري، أن العالم اليوم بحاجة لنظام يقوّم سلطة الدولة على الأسواق وحماية المستهلك، وبالوقت نفسه بحاجة لنظام يساعد القطاع الخاص ويحفّزه على الإنتاج والابتكار، ولكي نصل لهذه النتيجة كان لا بد من دراسة مميزات وعيوب النظام الرأسمالي والاشتراكي للخروج بأفضل ما في كل نظام، والعمل على إيجاد نظام عالمي متزن مستقر يحافظ على مكتسبات الشعوب والشركات من الإبداع والابتكار، ويساعد في بناء مستقبل آمن بعيداً عن المخاطر، وهذا ما ستتجه له العديد من الدول في المستقبل، فبدلاً من الدخول في حرب إثبات الأفضل بين الرأسمالية والاشتراكية، ستختار الدول ما يناسبها من بين الإثنين.

 

 

طباعة Email