من يملك تدمير الكون؟

«الولد الصغير» (Little Boy) هو الاسم المشفَّر الذي أطلق على أول قنبلة ذرية ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية. بهذا يكون «الولد الصغير» أول سلاح ذري يتم استخدامه في التاريخ.

بعد إلقاء «الولد الصغير» بثلاثة أيام تم إلقاء قنبلة ثانية على مدينة ناغازاكي، وكان اسمها المشفَّر هذه المرة «الرجل البدين» (Fat Man). حدث هذا في نهاية الحرب العالمية الثانية؛ في 6 أغسطس 1945 على وجه التحديد.

كان رئيس الوزراء اليابان سوزوكي قد رفض قبلها تنفيذ إعلان مؤتمر «بوتسدام» الذي كان ينص على أن تستسلم اليابان استسلاماً كاملاً من دون أي شروط، وتجاهل المهلة التي حدَّدها الإعلان. عندها أصدر الرئيس الأمريكي هاري ترومان أمراً بإلقاء القنبلتين على المدينتين اللتين دخلتا التاريخ من الباب الأسوأ؛ باب المآسي والكوارث.

بنهاية عام 1945 كان 140 ألف شخص عدد ضحايا قنبلة هيروشيما، و80 ألفاً عدد ضحايا قنبلة ناغازاكي. نصف هذا العدد ماتوا في اليوم الذي تم فيه إلقاء القنبلتين، ما بين 15 و20 في المئة منهم قضوا متأثرين بالجروح أو آثار الحروق والصدمات والحروق الإشعاعية والأمراض وسوء التغذية والتسمم الإشعاعي.

ولاحقاً توفي عدد كبير بسبب سرطان الدم والسرطانات التي تنشأ نتيجة التعرض للإشعاعات المنبثقة من القنابل، وكانت معظم الوفيات من المدنيين. في 15 أغسطس أعلنت اليابان استسلامها لقوات الحلفاء، واعتمدت بعدها المبادئ الثلاثة غير النووية التي تنص على أن اليابان لا تمتلك أسلحة نووية ولا تسمح بإدخالها إلى أراضيها، وبهذا خرجت اليابان من سباق التسلح النووي.

قبل أيام كتب كل من ويليام بيري، الذي شغل منصب وزير الدفاع في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وتوم كولينا مدير السياسات بصندوق بلاوشيرز، وهي مؤسسة خيرية لدعم مبادرات منع انتشار الأسلحة النووية، كتبا مقالاً بعنوان «لا يزال ترامب يضع إصبعه على الزر النووي.. هذا يجب أن يتغير».

وقالا: لقد حان الوقت لانتزاع «كرة القدم النووية» من هذا الرئيس وكل الرؤساء الذين يأتون من بعده. وتساءل الكاتبان: «هل نعتقد حقاً أن أي رئيس يجب أن يمتلك القوة الشبيهة بالقوة الإلهية لإحداث دمار عالمي في لحظة؟ الآن يجب أن يكون واضحاً أنه لا ينبغي لأي شخص أن يمتلك القوة أحادية الجانب لإنهاء حضارتنا.

هذه السلطة غير المقيدة هي غير ديمقراطية وعفا عليها الزمن وغير ضرورية وخطيرة للغاية. حان الوقت للتخلص من «كرة القدم النووية». لم تعد ضرورية، ووجودها بحد ذاته يشكل خطراً على أمننا القومي».

«كرة القدم النوية» أو «nuclear football» هو الاسم الذي يُطلق على الحقيبة التي يحملها الرئيس الأمريكي، وتحتوي على الرموز التي تسمح للرئيس، بناءً على سلطته وحدها، أن يأمر بإطلاق الترسانة النووية.

كان الرئيس ترومان قد رأى الآثار المدمرة للقنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على المدينتين اليابانيتين، فقرر أن يبعد هذا السلاح المدمر عن أيدي العسكريين. لذلك أعلن أنه لا يمكن إسقاط المزيد من القنابل الذرية ما لم يأذن بذلك شخصياً. ومن خلال ذلك وضع ترومان سابقة خطيرة للتحكم الفردي. أصبحت القنابل الذرية «أسلحة الرئيس». هذا ما يقوله الكاتبان في مقالهما.

ولكن هل سيتمكن أي رئيس من اتخاذ قرار حكيم في ظل ضغوط الوقت القاسية هذه؟ ماذا لو كان إنذاراً كاذباً؟ كيف يعرف الرئيس؟ وماذا لو كان الرئيس غير مستقر عقلياً؟ أسئلة تطرح نفسها في ظل الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض خلال السنوات الماضية. والأسئلة نفسها يمكن أن تطرح في كل الدول التي تمتلك أسلحة نووية فتاكة، يكون قرار إطلاقها في يد رئيس يمكن أن يخطئ مثلما نحن جميعاً معرضون للخطأ.

لقد حفل التاريخ على مدى عمر البشرية بحكام اتخذوا قرارات فردية، لأسباب مختلفة، أدت إلى قتل ملايين البشر، ونشر الدمار في مساحات شاسعة من الكرة الأرضية. لهذا يصبح السؤال عمن يملك قرار تدمير الكون مشروعاً في ظل التطور الذي وصلت إليه صناعة أسلحة الدمار الشامل في عصرنا الحالي، والذي أصبحت قنبلتا هيروشيما وناغازاكي بالمقارنة معها لعبتي أطفال.

إذا كان «الولد الصغير» قد أصبح اليوم وحشاً كبيراً، فإن الأخذ على أيدي «الرجال البدناء» غدا ضرورياً. هذا إذا أردنا أن نحمي كوكبنا من الدمار.

 

 

طباعة Email