بايدن والأوروبيون.. إحياء الشراكة

في تعاملاته مع الاتحاد الأوروبي، أخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنطق راوح بين المنافسة و«الصداقة اللدودة»، ولم يأبه كثيراً بمقتضيات التنسيق أو التحالف. تجاهل الرجل ما هو معلوم بالضرورة حول القيم المشتركة والمرجعية الحضارية والأطر الاستراتيجية، الناظمة تاريخياً لهذه التعاملات، وغلّب الحسابات الاقتصادية التجارية والمالية الجافة، وغلفها وعرضها وفقاً لمنهجية أقرب إلى فرض الإرادة.

ضمن هذه الرؤية النفعية، جرى تقديم الدعم لتيار البريكسيت، العاطف في بريطانيا على الخروج من العباءة الاتحادية الأوروبية، وراح ترامب وبطانته المتنفذة يبشرون بإمكانية لحاق دول أخرى بهذا الخيار، والتحلل من ضوابط وقيود أنجح تجربة عرفها العالم للعمل القاري الجماعي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

أكثر من هذا، أن الرئيس المنتهية ولايته، عبر غير مرة وفي أكثر من مناسبة، عن سخريته من دور الأوروبيين في حلف الناتو، وعايرهم بالحماية الأمريكية طوال حقبة الحرب الباردة، وطالبهم، بشيء من الخشونة، بسداد ما عليهم من مديونيات للحلف الأطلسي.

عطفاً على هذه المواقف والسياسات المتنمرة غير المعتادة، تأبط معظم الاتحاديين الأوروبيين شراً من ترامب وإدارته. وألحت عليهم الهواجس السلبية من هذا النفور المستجد وعواقبه على مضامين حيواتهم الاجتماعية والسياسية أكثر فأكثر، حين أظهر ترامب ميلاً واضحاً إلى جانب التيارات الشعبوية، ذات الحمولة شبه العنصرية، التي أطلت برأسها في أكثر من موقع وموضع أوروبياً وأمريكياً.

نود القول بأن سنوات ترامب شهدت شيئاً من التلاقي أو التعامد، مع الخطاب الانعزالي القومي المجافي للأقليات والمهاجرين وبعض القوى والطوائف الإثنية والروحية، الذي تعالى في بعض الرحاب الأوروبية. وكان ذلك، وما زال، سبباً إضافياً كافياً لغضب فريق الوحدويين في القارة العجوز.

بناء على هذه المعطيات المحفزة للتوتر، ثارت ظنون مقبضة حول مصير الوشائج المعنوية والمنظورة الناظمة لعالم الغرب برمته. وقيل عن حق بأن بقاء هذا الرجل لولاية ثانية سيكون بمثابة كابوس لهذا الفريق.

للإنصاف، لم يخل المجال السياسي الأمريكي من بعض المتنفذين وصناع الرأي والسياسات، بما في ذلك أعضاء في الحزب الجمهوري الحاكم، الذين استنكروا حالة التغاضب والتشاكس مع الأوروبيين.. على اعتبار أن بلادهم تظل، في الحد الأدنى، بحاجة للظهير الأوروبي في ملفات العلاقة مع كل من الصين وروسيا وغيرهما.

وقد انزعج هؤلاء العقلانيون من لهجة الاستخفاف والاستعلاء، التي طالما قارب بها رئيسهم قيادات أوروبية بارزة، كالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ولم يهضموا مبالغته في الاحتداد مع الاتحاديين الأوروبيين إلى درجة وصفهم أحياناً بـ«الخصوم والأشرار».

هل يعني ذلك أن الاتحاديين والأطلسيين الأوروبيين تنفسوا الصعداء من غروب مرحلة ترامب الاستثنائية؟.. ربما كان الأمر كذلك بالفعل. ولنا أن نفترض أيضاً، أن تعجيل حكومة بوريس جونسون في لندن بإنجاز اتفاق البريكسيت مع بروكسل أواخر الشهر الماضي، جاء بدوره على خلفية صعود جو بايدن والديمقراطيين إلى سدة البيت الأبيض.

نطرح هذا التصور وفي الخاطر أن هذا الاتفاق، الذي تعسر ميلاده طويلاً، لم يحقق كل طموحات تيار البريكسيت. ويمكن التدليل على ذلك بشكوى قطاع الصيد البريطاني من إهدار مصالح حيوية له، أو التضحية بها في هذا السياق. وعموماً، يصعب فصل حسم ملف التفاوض البريطاني على ما بعد البريكسيت عن زوال عهد ترامب، الذي أنذر بمرحلة جديدة يغيب فيها نصير الانفصال القوي في واشنطن.

وليس بلا مغزى على هذا الفهم، أن ترامب منح رئيس الوزراء البريطاني وبطانته من المضادين بقوة للتوجه الاتحادي، تأييداً على بياض، ووعدهم بإبرام اتفاقات تجارية ثنائية تحقق لبلادهم أرباحاً تفوق ما كانت توفره لها عضويتها في الأسرة الأوروبية.

مع ذلك، فإن قراءة الخط البياني للعلاقات البريطانية الأمريكية، لا ينبغي أن يستدرجنا للاعتقاد بمناهضة فاعلة من بايدن لاتجاه البريكسيت. لقد تبلور هذا الاتجاه وصعد وتم الاستفتاء عليه أثناء عهد الديمقراطيين بزعامة باراك أوباما. لكن الأرجح أن يتابع الرئيس الأمريكي الجديد حالة الوداد الخاصة مع لندن، بدون التفريط بالأواصر مع بقية الأوروبيين.

الشاهد أن توازناً من هذا القبيل، فضلاً عن إعادة الاهتمام الأمريكي بملفات أهملتها الإدارة السابقة بوضوح، كالتي تتعلق بالبيئة والتجارة والصحة العالمية وهيبة الأمم المتحدة ونحوها، سوف يؤدي إلى انعكاسات وتوابع إيجابية في الأجواء الدولية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات