المستقبل بين التنبؤ والاستشراف

يُعدُّ الوعي بالمستقبل، والتعامل الإيجابي معه من الأولويات الأساسية للأفراد والمؤسسات والحكومات في عالمنا المعاصر؛ على اعتبار أن كل الأعمال والمهمّات والنشاطات التي يتم القيام بها في الوقت الحاضر سوف تظهر نتيجتها في قابل الأيام.

تأسيساً على ذلك، يمكننا القول إن المستقبل يعبّر عن ثمرة الحاضر، كما إن الحاضر يعبّر عن ثمرة الماضي، وهذا يثبت بأننا نحيا في أبعاد زمنية ثلاثة لا يمكن إنكار أهميتها، ألا وهي الماضي والحاضر والمستقبل.

خلال السنوات القليلة الماضية، وبسبب تعقّد وتداخل المتغيرات البيئية المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية والثقافية، بدأنا نلاحظ ازدياد التركيز على المستقبل، وهذا توجه جيد وإيجابي لأنه يفسح المجال لتحقيق انتقال آمن نحو الغد، الأمر الذي يمكن أن يجعل شكل المستقبل متوافقاً مع الرغبات والتوجهات والطموحات. من هذا المنطلق، نجد من الضروري الوقوف على تمييز دقيق وواضح بين مصطلحي التنبؤ بالمستقبل واستشراف المستقبل.

يعبر التنبؤ عن جهد علمي منظّم، يعتمد على تحليل مضامين الماضي ومعطيات الحاضر؛ وصولاً إلى رسم وصياغة مجموعة من الافتراضات والتوقعات لما سيكون عليه شكل المستقبل، وفي الغالب تركز عملية التنبؤ على المستقبل القريب.

علماً بأننا لا يمكن الجزم أو القطع بوقوع الأحداث المستقبلية التي يتم التنبؤ بها، وهنا نود التأكيد على كون التنبؤ بالمستقبل نشاطاً بشرياً قد يصيب وقد يخطئ، ولكن كلما تمكنّا من ضبط عملية التنبؤ وحوكمتها بأسلوب علمي ستكون احتمالية صوابها أكبر.

يستخدم التنبؤ بالمستقبل في العديد من العلوم والمجالات، الأمر الذي يمكّن الجهات والمؤسسات المعنية من تحقيق حالة استعداد إيجابي لتلك المواقف أو الظروف التي من المتوقع أن تحدث.

ما تقدم يدفعنا للقول بأن التنبؤ يفترض وجود شكل محدد وثابت للمستقبل بناءً على أسلوب تحليل معين لشكل الماضي والحاضر، وهذه المسألة تعبر عن إحدى النقاط الأساسية التي تجعل التنبؤ بالمستقبل مختلفاً عن استشراف المستقبل.

ما هو استشراف المستقبل؟ يمكننا إيجاد إجابة دقيقة عن هذا السؤال على صفحات دليل أدوات استشراف المستقبل الصادر عن وزارة شؤون مجلس الوزراء والمستقبل في دولة الإمارات، إذ يعبّر استشراف المستقبل وفق الدليل عن القراءة الصحيحة للمستقبل، والاستعداد والجاهزية له من خلال عملية منهجية منظمة يتم فيها استخدام مجموعة من الأدوات والطرق والمنهجيات والنظريات.

يُعبر استشراف المستقبل عن مرحلة متقدمة على التنبؤ بالمستقبل، على اعتبار أن نشاط الاستشراف يركز في التحليل على المدى المتوسط والبعيد، مع افتراض وجود أكثر من شكل واحد للمستقبل، أي أن هناك مجموعة من الأشكال المحتملة للمستقبل التي يمكن أن تتحقق في عالم الغد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن احتمالية حدوث كل شكل من هذه الأشكال تكون عادةً بنسب متفاوتة وليست متعادلة.

بالعودة إلى دليل أدوات استشراف المستقبل الذي تمت الإشارة إليه آنفاً، سنجد أن هناك أربع فئات من سيناريوهات المستقبل المحتملة، والتي يمكن توضيحها على النحو الآتي:

أولاً /‏‏ المستقبل الممكن: ويشمل كافة احتمالات المستقبل التي يمكن تخيلها، بصرف النظر عن مدى استبعاد حدوثها.

ثانياً /‏‏ المستقبل المقبول: ويشمل احتمالات المستقبل التي قد تحدث، بناءً على المعرفة الحالية بالطريقة التي يسير بها العالم.

ثالثاً /‏‏ المستقبل المحتمل: ويشمل احتمالات المستقبل التي قد تحدث، لأنها تقوم على استقراء المستقبل بعد دراسة الماضي والحاضر، وتكون بعض احتمالات المستقبل المحتمل مُرجحة الحدوث أكثر من غيرها.

رابعاً /‏‏ المستقبل المفضّل: ويقتصر على تلك السيناريوهات المستقبلية التي ترغب بها بعض الجهات، والتي هي عرضة للتغيّر بمرور الوقت.

من كل ما تقدم، يمكننا القول إن التنبؤ بالمستقبل يُعدُّ نشاطاً أساسياً، يجب الاهتمام به والتركيز عليه من قبل الأفراد والمؤسسات والحكومات، إلا أنه ينبغي تدعيمه بنشاط استشراف المستقبل؛ على اعتبار أن التنبؤ يمكننا من توقع ما سيحدث في المستقبل بناءً على عوامل ومتغيرات تتعلق بكل من الماضي والحاضر، في حين أن الاستشراف يُسهم بشكل مباشر في توسيع نطاق الرؤية ويضيف أشكالاً أخرى من المستقبل يمكن أن تجعل أي نشاط تخطيطي يأتي لاحقاً أكثر قوةً ورصانة وموضوعية.

ختاماً.. للتدليل على أهمية المستقبل وجوهريته، يروق لنا الاستشهاد بحكمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يقول فيها: «إن المستقبل ملك لجميع البشر، لكن الذين ينالون حصة فيه هم فقط الذين يلبون نداءه ويتقنون لغته ويحرصون على معرفة حركته واتجاهاته. المستقبل لا يعرف الانتظار ولا التأجيل ولا التراخي».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات