التصنيع المتوحّش للجَمال

لم يَعد شيء خارجَ هيمنة الصناعة، حتى الجمال نفسه. صارت الصورة تُصنّع، وأصبحت معايير الجمال تُنحت، ويتم ترويجها باعتبارها معايير قاطعة وقوالب لا تقبل النقصان ولا الزيادة. تغيّر مفهوم الجمال ذاته. فالمرأة العارضة، التي تختال بملابس صنعتها ذائقة تلك الماكينة الكوكبيّة، تم اختزالها بالطويلة النحيفة التي تحرص، من أجل بقاء الصورة والوظيفة، أن تأكل الطعام وتتقيأه، لأنّ غرامات قليلة ربما تُفقدها مهنتها، ما أصاب الكثير من العارضات بمرض فقدان الشهيّة.

وفي عام 2010 توفيت إيزابيل كارو، وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن 28 عاماً، بعد مشاركتها في حملة للتصوير الفوتوغرافي لزيادة الوعي بشأن مرض فقدان الشهية. وقال طبيب لـ«رويترز» إنّ ما بين ثلاثين ألفاً وأربعين ألف شخص في فرنسا، معظمهم من المراهقين، يعانون من فقدان الشهية.

وفي غمرة هذا التصنيع المتوحّش للجمال، اختفت الطبيعة، وتوارى الإشراق النورانيّ الفطريّ لجمال المرأة، وبهاء عقلها الفيّاض بألوان المعرفة، فصارت هناك وصفات عالمية (بعضها بعمليات جراحية!!) للحصول على جسد يُضاهي ما لتلك النجمة أو سواها، مع أنّ بيننا نساءً وصبايا نعرفهنّ ويعشنَ بيننا يمتلكن من الجمال الساحر والمُبهر ما يتفوّق على معايير الصناعة التي أوقعت نساءً كثيرات في وهم النموذج أو «الموديل».

ثمة نساءٌ يأكلن ويشربن على طبيعتهن، ولهنّ ندوبٌ، وشعر مجعّد، وسنّ نافرة قليلاً، وبلا أساور أو خواتم، قصيرات أو سمينات، سمراوات أو شقراوات. وبعضهن يلبسنَ الجينز، أو يتوارين خلف اللباس التقليدي بدافع اجتماعيّ أو دينيّ ويتفاخرن بذلك، وهنّ أجملُ ألف مرّة من اللواتي يفترشن أغلفة المجلات والسوشيال ميديا بأطنان المكياج.. والفوتوشوب.

وفي غمرة هذا التصنيع، أضحت الفروق بين أشكال البشر تتآكل لمصلحة صورة يجري تعميمها بين الرجال والنساء. فثمة قَصّة شعر وهيئة تراها هنا، كما تراها في القاهرة، أو بيروت، أو تكساس، أو ميونخ، أو بوينس آيرس، لشباب هذه اللحظة الزمنية الذين تعولموا، كما تعولم من قبل جيل الشارلستون والشعر الطويل الذي كان إحدى ثمرات ثورة «الهيبيز» التي انطلقت في الولايات المتحدة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وغزت العالم.

وعلى الضفة الأخرى من المشهد، ساهمت الميديا في إعداد تصوّر صار بمثابة «كاتالوغ» لشكل المرأة، وتمّ تعميم هذا الشكل عبر الأفلام والتسويق الإعلاني، ودور عروض الأزياء التي يقرر سدنتها في ميلانو وباريس ونيويورك معايير الجمال الأنثوي الصارمة: أي 1.80 في الطول، الخصر لا يجب أن يتعدى 90 سنتمتراً، وفي غالب الأحيان، كما تفيد التقارير، تكون العارضات ذات شعر أشقر وبشرة بيضاء وفي سن الشباب.

ورغم الاختراقات الثورية في الجدار المتين لهذه المعايير، إلا أنّ طغيان النموذج الأنثوي يفضي إلى إنتاج نسخ كربونية من النساء اللواتي يمارسن قهراً ضد أجسادهن، ويحرمن أنفسهن من ملذات الطعام، ويبدين هشّات، قليلات المناعة، في سبيل الظفر بالجسد الذي صنعته الصورة النمطية الباطشة.

التغيير الذي يعيد للجسد يفاعته وبساطته وإشراقته يحتاج إلى جهد ثقافي يعمل على تعريف جديد للجمال، بحيث يحرر الإنسان من الارتهان للمعيار المطلق الذي صاغته الإعلانات ووسائل الترويج العملاقة في المجتمع الاستهلاكي الرأسمالي الذي أبصر نصف الصورة من الجمال، وعتّم على النصف الآخر الذي يتجلى في مساحته الفسيحة الجمالُ الصافي، بكل نتوءاته وخدوشه، وبكل نقصانه.

يتعيّن استعادة الدهشة المختطَفة التي كانت تعصف بنا كلما داهمنا ذلك الجمال العميق الذي يخلع القلبَ من فرط ما هو طبيعيّ وفاتنٌ وطازج!

 

 

طباعة Email