العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    العزاء لـ«أيتام» الخلاف الخليجي

    جاءت قمّة دول مجلس التعاون الخليجي المنعقدة مؤخّراً في مدينة العلا السعودية لتؤكّد حقيقة ثابتة، وهي أنّ قدر شعوب هذه المنطقة العربية ومصلحتها الاستراتيجية هو في العيش والتعايش المشترك، وهو الأمرُ الذي تضمّنه البيان الختامي للقمّة إذ أكّد «الحرص على قوة وتماسك مجلس التعاون، ووحدة الصف بين دوله، لما يربط بينها من علاقات خاصة، وسمات مشتركة (...) بين شعوبها».

    وشدّد البيان على الرّغبة في تحقيق المزيد من التنسيق والتكامل والترابط بين دوله، وهو ما يعني أن الوعي حاصل لدى دول مجلس التعاون الخليجي بأنّ مصير شعوبها واحد، وبأنّ التهديدات والمخاطر التي قد تستهدف إحدى دوله سيتأثّر به كامل الجسد الخليجي، وهذا الوعي تجلّى بوضوح من خلال تأكيد البيان الختامي للقمّة على «مواقف وقرارات مجلس التعاون الثابتة تجاه الإرهاب والتطرّف، أياً كان مصدره ونبذه كل أشكاله وصوره، ورفضه دوافعه ومبرراته، والعمل على تجفيف مصادر تمويله، كما أكد أن التسامح والتعايش بين الأمم والشعوب من أهم المبادئ والقيم، التي بُنيت عليها مجتمعات دول المجلس، وتقوم عليها علاقاتها مع الشعوب الأخرى».

    «قمّة العلا» أكدت في المعلن من قراراتها على ما يجمع بين دول مجلس التعاون الخليجي، وأعطت الأولوية للمصالح والأجندات الوطنية الخليجية، التي أساسها التعاون ومزيد التكامل بين دوله، وتمتين العلاقة مع المشترك من الدول الصديقة والشقيقة، والتعايش بسلام مع باقي شعوب العالم، وهو ما يعني أنّ دول مجلس التعاون الخليجي استطاعت تجاوز المعوقات، التي هدّدت وحدته وكيانه وهي معوقات معلومة للجميع، وأنّ «قمّة العلا» أكّدت مجدّداً صواب السياسيات الثابتة لدول اختارت التشبّث بقيم التعاون والسلام وِفْقَ المصالح الوطنية، وبعيداً عن التدخّل في الشؤون الداخلية للدول.

    ولعلّ تداعيات «قمّة العلا» لن تقف عند الحدود الجغرافية لدول مجلس التعاون لو تمّ الذهاب بعيداً في تنفيذ القرارات والتوصيات الصادرة عنها، وليس أقلّها تلك التداعيات التي ستشمل بالتأكيد الدول والأطراف، التي بنت سياساتها وأجنداتها على ديمومة الخلاف داخل دول مجلس التعاون الخليجي، وهي دول وأطراف اعتقدت خطأ أن معطى الخلاف الخليجي هو دائم وثابت ومضمون، لذلك أسّست كلّ استراتيجيتها عليه.

    إنّ المُعْلَنَ من قرارات «قمّة العلا» مهم وقد يكون غير المعلن هو الأهمّ، ولذلك فإنّ فرائس بعض الأطراف السياسية ارتعدت لمجرّد إعلان وجود نيّة لمصالحة خليجية، ومن ذلك حركة «الإخوان» ومشتقّاتها السياسية، وتلك الدول والمجتمعات التي ربطت مصيرها بها.

    إنّ هذه المصالحة المعلنة قوامها العيش الآمن والسلام، وهو الهدف الذي كثّفه الدكتور أنور بن محمد قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية إذ قال: «إن دولة الإمارات ترغب في التأسيس لمرحلة جديدة خالية من الأزمات»، كبيرة كانت مثل مقاطعة قطر في 2017، أو صغيرة مثل سحب السفراء في 2014 وهو أيضاً ما قد تؤكّده بعض الإجراءات المزمع اتّخاذها ضد حركة «الإخوان» الدولية، التي كانت من أسباب توتّر العلاقة في ما بين دول مجلس التعاون.

    وإن هذا التوجّه الجديد يُلقي بظلاله بقوّة على الواقع السياسي لبعض الدول والمجتمعات وبالخصوص في كلّ من تونس وليبيا، إذ لا يخفى على أحد أنّ الماسكين بزمام الأمور في تونس وبدرجة أقلّ في ليبيا ربطوا مصيرهم وقوّتهم وسطوتهم بوجود الخلاف الخليجي، فبنوا تحالفاتهم على أساس ديمومة هذا الخلاف، وإنّ أيّ تغيير في هذا الخصوص قد يصيبهم في مقتل، إذ هو يرفع عنهم الغطاء الخارجي الوحيد، الذي يؤمّن لهم الدعم والحماية عند اللّزوم.

    ويُعتقد أنّ المصالحة الخليجية- التي لقيت مباركة كبيرة من مصر- ستؤدّي إلى تغييرات فعلية في سياسات بعض دول مجلس التعاون، وحتّى إذا كانت هذه التغييرات غير راديكالية على المدى القريب، فهي ستكبر على المدى المتوسّط والبعيد، إذا صدقت النوايا، وازداد منسوب الثقة بين دول مجلس التعاون.

    إنّ حاجة دول مجلس التعاون إلى المصالحة ملحّة ومتأكّدة، وهي الضمانة الأهمّ لوحدة المجلس وصموده، خصوصاً في ضوء المتغيّرات الإقليمية والدولية، وإنّنا في تونس ننظر إلى هذه المصالحة بعين حالمة، فهي قد تعيد المسألة الوطنية إلى لُبّ اهتمامات الأطراف السياسية والحزبية في تونس، وتدفعها إلى بناء علاقات شراكة مع دول مجلس التعاون بعيداً عن التبعية وعن سياسة المحاور، فالمصالحة فيها الخير العميم للجميع والعزاء لأيتام الخلاف الخليجي.

    طباعة Email