عنصرية في الرعاية الصحية!

طبيبة أمريكية قضت نحبها بالمستشفى متأثرة بمضاعفات فيروس «كورونا» بعد أن اشتكت، قبل وفاتها، من عنصرية الفريق الطبي المعالج. فالطبيبة السوداء، سوزان مور، وبحكم عملها، أصيبت بالفيروس ونقلت على أثره للمستشفى. لكن بعد إهمال حالتها لفترة، ثم إجبارها على العودة لمنزلها قبل أن تتعافى، أدى لمزيد من الارتفاع في درجة حرارتها، والانخفاض في ضغط الدم. وخلال تلك الفترة كانت الطبيبة قد سجّلت بالصوت والصورة فيديو شرحت فيه معاناتها بنفسها مع الفريق المعالج. وعندما تدهورت صحتها نقلت لمستشفى آخر، ولكن بعد فوات الأوان، حيث توفيت به. غير أن الأسوأ من ذلك كله، أن الفريق المعالج راح يدافع عن نفسه باتهام الضحية بأنها كانت تمثل «تهديداً» لهم، لأنها جهرت بشكواها.

وقصة سوزان مور، مجرد واحدة من حلقات سلسلة طويلة لا جديد فيها تكشف عن أن العنصرية في بلادها تطال حتى الرعاية الصحية. والعنصرية في مجال الصحة تحديداً ذات جذور مريرة لا ينساها الأمريكيون السود أبداً وتشكل حاضرهم ومستقبلهم. والكثير من وقائع ذلك الملف طمسها من يكتبون التاريخ، إلا أن بعضها الآخر صار معروفاً للجميع. ولعل أكثرها مرارة، حتى اليوم، هو ما صار يعرف اليوم بـ«بتجربة تاسكيجي».

ففي عام 1932، لم يكن قد تم التوصل بعد لعلاج مرض الزهري. كما لم يكن الكثير، في ذلك الوقت، معروفاً عن دورة حياة المرض، من بدايته وحتى مراحله المتأخرة حتى يتم السيطرة عليه. وكان العلماء، في معهد تاسكيجي بولاية ألاباما، يعكفون على إجراء التجارب عن المرض، فجندت هيئة الصحة العامة الأمريكية، من أجل تلك التجارب، ستمئة رجل من المزارعين السود الفقراء بولاية ألاباما، متعهدة لهم بعلاجهم مجاناً. ورغم أن بعض أولئك الرجال كانوا مصابين بالمرض فعلاً، إلا أن الأطباء أوحوا للأصحاء بأنهم مرضى. فقد كان هناك نحو أربعمئة منهم في مراحل مختلفة من تطور المرض، بينما كان الباقون من الأصحاء الذين تم «استخدامهم» كمجموعة للمقارنة، فقيل لهم إنهم سيعالجون من «الدم السيىء»، وهو تعبير كان دارجاً وقتها يستعمل للإشارة لشكاوى صحية متعددة. وقد استمرت التجارب ورغم أن العلاج بالبنسلين كان قد صار معروفاً منذ عام 1946، فلم يتم إعطاء المصابين الأربعمئة أي علاج على الإطلاق سوى الأسبرين وبعض المكمّلات الغذائية، واستمرت التجارب لثلاثين عاماً من أجل معرفة التطور الكامل للمرض، دون أية مراعاة لحقوق البشر. وقد توفي بعضهم، بينما تعرض بعضهم الآخر لمضاعفات خطيرة، من الأمراض العقلية للإصابة بالعمى. وقد وصلت أنباء تلك الجريمة في أول الستينيات لأحد العلماء في سان فرانسيسكو، فأخطر رؤساءه لوقف ذلك العمل «غير الأخلاقي»، إلا أن هيئة الصحة أمرت باستكمال التجارب حتى يموت كل المصابين ويتم تشريح جثثهم بعد موتهم لمعرفة ما يحدث للمصاب في أواخر مراحل تطور المرض. لكن الكثير من أولئك المصابين كانوا قد نقلوا المرض لزوجاتهم وانتقل المرض لأبنائهم. المفارقة في كل ذلك هو أن معهد تاسكيجي، الذي تحول فيما بعد لجامعة، كان قد أنشأه بووكر تي واشنطن أحد قيادات السود الذين علا نجمهم في بداية القرن العشرين.

لكن جريمة تحويل السود دون علمهم ولا موافقتهم إلى «فئران تجارب» كانت قد تسربت لصحفية نشرت الفضيحة عام 1972. لكن الاعتذار عن تلك الجريمة تأخر أكثر من عقدين. ففي عام 1997، اعتذر الرئيس بيل كلينتون عن المأساة، وقال وقتها إن الحكومة الفيدرالية كانت قد ارتكبت فعلاً «ليس أخلاقياً»، و«يدعو للخجل»، واعتبر أن مثل ذلك الاعتذار قد يكون البداية لفتح صفحة جديدة.

ومن هنا، فإن قصة سوزان مور لا تزال تمثّل العنصرية الهيكلية، والتي تجسّدت مع فيروس «كورونا» المستجد. فقد ثبت أن السود هم الأكثر إصابة بالفيروس، بما لا يقارن بغيرهم من الجماعات. لكن المفارقة هي أن المآسي المؤلمة التي تعرضوا لها عبر التاريخ جعلتهم في الوقت ذاته من أكثر الجماعات تردداً اليوم في التقديم للتطعيم بمصل «كورونا». فالذاكرة الجمعية تثير الخوف من إخضاعهم، من جديد، للتجارب دون علمهم.

* كاتبة مصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات