العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    عام مضى.. تنجح دول وتخيب أخرى

    استقبل العالم، الجمعة الماضي، عاماً جديداً في مناخات يطغى عليها في الوقت ذاته شيء من القديم، ويتعلق باستفحال الأزمات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعكر صفوها التحديات، التي فرضها انتشار فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد 19).

    وبعد جائحة «كورونا»، لن يكون العالم أبداً كما كان قبلها، وكذلك الفكر الذي يحرك الفاعلين في هذا العالم، ولن يصمد إلا من يمتلك القدرة على التأقلم.

    وما يشد الانتباه في هذا العام المنقضي هو اختلاف السلوكيات والسياسات، التي واجهت بها الدول هذه الأزمة متعددة الجوانب، وهي مواجهة راوحت بين الرضوخ والاستسلام لهذه الأزمة أوالتصدي لها بالسياسات والإمكانات اللازمة لذلك، مروراً بمحاولة توظيفها لإدامة سلطة أوحُكْم.

    هو إذاً كان عام الفرز بين الدول والسياسات والمواقف وبين الحكام، وسؤال الفرز كان: كيف سخّر الحكام إمكانات الدولة والمجتمع لمواجهة التحديات، التي فرضتها الأزمات الاقتصادية والصحية، وما الدوافع التي حركت سياساتهم؟!

    فإما هم استسلموا لهذه الأزمات لضعف إمكانات وإما لجهل وغياب دراية في تسيير الشأن العام، وفي مواجهة التحديات المطروحة، فاختاروا لذلك سياسة النعامة، أو هُم حاولوا توظيف هذه الأزمة بما يُديم سلطتهم وسطوتهم، ويحقق بالتالي مصالحهم الذاتية بقطع النظر عن تداعيات ذلك على الوضع الاقتصادي، وعلى الوضع الصحي والمعيشي للمواطن، فاتبعوا بذلك طريق الحلول المضللة.

    وفئة ثالثة جمعت بين ضعف الإمكانات وغياب الدراية والمعرفة بتسيير الشأن العام، ومحاولة توظيف الأزمات لإدامة السطوة على الحُكْمِ والسلطة، فسلكوا سبيل الاستبداد أو هُم في الطريق إلى ذاك.

    وصنف رابع من الحكام كان له شرف اختيار طريق قبول هذه التحديات ومواجهتها، فسخّر لذلك كل إمكانات الدولة من أجل تجاوزها، وقد مكنتنا الظروف والصدفة خلال الأيام الماضية من معاينة مثال ذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي دبي تحديداً. وقد لا تتساوى إمكانات الدول في مواجهة التحديات، ولكن المواطن قد يكفيه معاينة أن الحاكم تتوفر لديه الإرادة والرغبة في تحقيق الأمان الصحي والاقتصادي لشعبه؛ المغرب والأردن من الأمثلة الدالة على ذلك.

    لا شيء يُعيق مواجهة التحديات الاقتصادية والصحية وغيرها، إذا توفرت الإرادة والمعرفة والأفكار لدى الحاكم، ولعل أبلغ النماذج على ذلك دبي.

    ولا بد من الإشارة إلى أن إمارة دبي أنشأت اقتصاداً من أكثر الاقتصادات تنوعاً، وإن كان عمودها الأساسي هو السياحة والقطاع الخدماتي، وهذه هي الفكرة الأساس التي انطلقت منها دبي لتبني اقتصادها، الذي أصبح الأكثر جاذبية في العالم الليبرالي والحر. والجاذبية هي الفكرة الثانية الأهم التي أسست ما عليه اليوم دبي، وهي بمثابة الآلية الجاذبة للاستثمار الخدماتي وللسياح، وفِي هذا الصدد، فإن الزائر لهذه المدينة الاستثنائية يعاين بوضوح التطور العمراني اللافت، وهو تطور وظيفي ومربح للدولة والمجتمع رغم تكاليفه الضخمة، ومن ذلك مشروع «مترو دبي» الذي ظن العديد- وإنه بعض الظن إثم- أنه مشروع خاسر، الشيء الذي كذبته التطورات اللاحقة، وقِسْ على ذلك.

    إن الفكرة لا تكتمل في ذهن «صاحبها» إلا إذا كانت لصاحبها القدرة على تصورها في مرحلة ما بعد الإنجاز، وإن من نِعَم الدول والمجتمعات أن يجود الله عليها بقادة يتمتعون بفكر استباقي وخلاق، وشرط ذلك أن يكون القائد مخلصاً للبلاد والعباد ومحباً للحياة.

    إن الفكر هو أساس العمران، ثم يكون العدل وتكون السياسة، وإن أهم ما يقوي علاقة الحاكم بالمحكوم، ويبني جسور الثقة بينهما هو قدرة هذا الحاكم أن يُشيع الإحساس بالأمان المعيشي والاقتصادي والاجتماعي في نفوس مواطنيه، لأن ذلك هو المقدمة الضرورية لكل تطور ولكل تفوق حضاري.

    إن الفكر إذاً هو الأساس وفي زمن الأزمات والتحديات الكبيرة يكون التضامن صلب الدولة الفيدرالية هو صمام أمان إضافي، وحجر الزاوية في ديمومة هذا الفكر الخلاق.

    دبي اعتمدت مؤخراً ميزانية عام 2021 بقرابة 15.5 مليار دولار، وقدرت أن السنة الجديدة ستكون بداية النمو الإيجابي بـ4 في المائة، بعد أن تدرج الانكماش الاقتصادي طوال سنة 2020 من 10.8 في المائة إلى نحو 6.2 مع نهاية العام، وهي ميزانية إيراداتها غير الضريبية 59 في المائة والضريبية 31 في المائة، فيما تمثل عائدات الاستثمارات الحكومية 6 في المائة، ومداخيل أخرى 4 في المائة، وهي ميزانية تجسد مما هو بيّن الفكرة الأساس، الذي بُني عليه اقتصاد الإمارة، ولكن الالتزام الأهم الذي صاحب الإعلان عن الميزانية هو التزام الحكومة القيام بكل ما يقتضيه «التعامل مع الأزمة (الاقتصادية) من أجل استعادة وتيرة النمو، وتعزيز منظومة الدعم والإعانات الاجتماعية والخدمات الأساسية.

    إن منطلق الفكرة وهدفها إذاً هو الاستقرار وتحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي، لأن ذلك هو أهم الحقوق الضامنة للحياة وكرامة الإنسان ودون تحقيقها تنعدم باقي الحقوق سياسية كانت أم غيرها، وإن الحرية هي في هذا التمشي الأداة والنتيجة، ودونها أيضاً ينعدم التفكير.

    سُئل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ذات يوم كم نسبة الأفكار التي تحملها لدبي وتحققت في الواقع، فأجاب: 7 في المائة، وأعيد طرح السؤال ذاته عليه بعد أزمة «كورونا» فقال: 6.5 في المائة، لنتصور معاً كيف ستكون دبي بعد تحقيق 50 في المائة فقط من أفكار وأحلام حاكم دبي؟

    قصة روتها لي مؤخراً الإعلامية التونسية نوفر رمول، التي جربت مرارة المهنة في دولة أخرى، فاختارت التحرر والانتقال بحلمها المهني إلى دولة الإمارات ودبي، فنالت نصيبها من الحرية. ولعل سنة 2021 تكون حبلى بأحلام وأفكار قادرة على ضمان حياة أفضل لِمن اختار الحياة، وأما من سلك طريق الموت فهو هالك لا محالة.

    * كاتب تونسي

    طباعة Email