السجون.. استثمار أردوغان الأكبر

يتفق الجميع على أن الازدواجية والتناقض هما عناوين رئيسة لتصريحات وقرارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فهو من ناحية يدعو أول مرة للإصلاح والديمقراطية بعد 18 عاماً قضاها في الحكم، وفي الجانب الآخر سيسجل له التاريخ أنه أكثر الزعماء الأتراك الذين شيدوا سجوناً وأنفقوا المليارات من أجل ابتداع كل ألوان التعذيب والقسوة وآخرها «التفتيش العاري» داخل السجون، الأمر الذي دفع محكمة حقوق الإنسان الأوروبية لتصنيف تركيا باعتبارها أكثر الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، فلماذا يدعو أردوغان للإصلاح الآن؟ وكيف صار وضع حقوق الإنسان في عهد أردوغان نموذجاً للقمع والتنكيل بالمعارضة؟

عندما تولى أردوغان الحكم عام 2002 كان عدد السجناء لا يزيد على 58 ألف سجين، وكانوا من المجرمين والفاسدين الذين ارتكبوا جرائم ضد المجتمع، ولكن تعج السجون التركية اليوم بـ298 ألف سجين غالبيتهم سجناء سياسيون ونشطاء وحقوقيون وصحافيون، ومن رجال الجيش والشرطة والقضاء، وتشير مراسيم العفو التي أصدرها أردوغان في العقدين الماضيين، إلى أنه كان يعفو عن اللصوص وتجار المخدرات حتى يجد مكاناً للمعتقلين السياسيين. ووفق منظمة العفو الدولية والمحكمة الأوروبية وغيرها من المؤسسات الدولية، فإنّ أردوغان أنفق 12.7 مليار دولار لبناء 193 سجناً من 2004 وحتى الآن.

وزادت وتيرة بناء السجون بعد الانقلاب المزعوم في 15 يوليو 2016، حيث شهدت تلك الفترة فقط بناء 128 سجناً عملاقاً تجاوزت تكلفتها وحدها 9 مليارات دولار، وأي إشارة انتقاد من قريب أو بعيد لسياسة أردوغان تواجه بالسجن سنوات طويلة، فالمصلحة الشخصية لأردوغان وعائلته باتت فوق كل المصالح القومية للشعب التركي، فعندما سأل أحد الصحافيين عن عدد الجنود الأتراك الذين قتلوا في ليبيا، كان مصيره السجن في اليوم التالي، وعندما طالبه أحد السكان في مدينة ديار بكر بتوفير الخبز والوظائف فوجئت أسرة هذا المواطن بالقبض عليه بحجة التعاون مع المجموعات الإرهابية، فالسجن طال الجميع في تركيا سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، ولكن أكثر الأرقام الصادمة ما يتعلق بسجن النساء والأطفال، فوفق جمعية مبادرة حقوق الإنسان للصحة النفسية التركية، فإن 780 طفلاً محتجزون مع أمهاتهم اللاتي يقضين عقوبات في السجون التركية، بينما يحتجز أردوغان 10 آلاف طفل بشكل مؤقت مع أمهاتهم سنوياً ومن دون أي محاكمة، ووفق إحصائيات يوليو الماضي فإن 120 ألف طفل آخرين يخضعون لإجراءات قانونية تطال أمهاتهم.

ورغم قسوة هذه الأرقام إلا أنها تمثل جزءاً ضئيلاً للغاية من مأساة الأتراك، فهناك عشرات وربما مئات السجون الخاصة والسرية التي لا يستطيع البنك الدولي رصد الأموال التي تنفق علها، فإذا كان غير مسموح بكتابة مقال ضد أردوغان، فكيف يزعم أنه يسعى للإصلاح والديمقراطية بعد 18 عاماً اجتهد فيها لبناء أكبر عدد من السجون؟.

طباعة Email