نجوم التخمين

خلال السنوات الماضية، ومع موعد اقتراب كل سنة جديدة يخرج علينا «نجوم التخمين» ليضعوا توقّعاتهم في السنة المقبلة، ومن أقصدهم ليسوا هم أولئك المحللين في الشؤون السياسية والاقتصادية، والذين يبنون توقعاتهم على تحليلات منطقية من واقع خبراتهم، ولكن من أقصدهم هم أولئك الذين يحاورون النجوم والكواكب، ويقرأون الفلك وتحركاتها ليبنوا توقعاتهم بناءً عليها، هؤلاء الذين بات لهم رؤية وبصيرة للمستقبل، وبعضهم ينام ويحلم بأحلام تتنبأ بالمستقبل وأحداثه ومتغيراته وتقلباته، هؤلاء لم تعد توقعاتهم تتنبأ بالأبراج وحال أصحابها، بل تخطى الأمر لتصل إلى توقّعات في السياسة والاقتصاد وانتهاء أو بداية الأوبئة، ووصل بهم الحال لتوقّعات الحروب والنزاعات والتوتّرات، وحالات السلام والوئام بين دول العالم.

هؤلاء المنجّمون المخمّنون تطورت أحوالهم، ووصل بهم الحال ليتوقّعوا مصير أشخاص وشخصيات قيادية وسياسية بارزة في أوطاننا، بل وصل بهم الحال لأن يتوقعوا نتائج الانتخابات ومصير الأحزاب والتحزبات السياسية، وبعضهم راح يتوقع في مصير القيادات العالمية، ويتنبأ باغتيالات ومرض رؤساء عالميين بارزين. والغريب والمستغرب أن قنواتنا وصحفنا تتناقل هذه التوقعات كجزء من واقع الحال، ومن شدة تغلغل هؤلاء في جميع الأمور أصبح لهم وزن، وتتم استضافتهم في القنوات الإخبارية ليدلوا بتوقعاتهم للعام المقبل، وأصبحت توقعاتهم تطال جميع الجوانب الحياتية.

نجوم التخمين وتوقعاتهم أصبحت عادة نستقبل بها كل عام، ونضع تصوراتنا وتحليلاتنا لعامنا الآتي بناءً على هذه التخمينات، والأمر لا يقتصر على أولئك النجوم الذين يؤلفون الكتب في توقعاتهم، أو أولئك الذين يظهرون على شاشات التلفاز ليلة رأس السنة ليدلوا بتوقعاتهم وتخميناتهم، بل في كل عام يطل علينا تخمينات أناس ماتوا قبل عشرات السنين لنأخذ بتخميناتهم لأعوامنا هذه، والغريب أيضاً أن هناك حيوانات وزواحف تخمّن وتضع توقعاتها للأحداث المهمة في العام، فبعضها يتوقع نتيجة الانتخابات الأمريكية، وبعضها يتوقع مصير الدول، وبعضها متخصص بنتائج المباريات والأحداث الرياضية.

عندما تقرأ توقعات أحد نجوم التخمين تجد أنه مسيّس أكثر منه متوقع أو مخمّن أو حتى عرّاف، بل تجده سياسياً يتوقع الأحداث السياسية، بناءً على ما يتمناه هو أو ما يتمناه من يدعم توقعاته، وتجد بعض القنوات التلفزيونية يأخذون توقّعات هذه الشخصية ليبنوا عليها مصير بعض الدول وقياداتها، وكأنه كلام مُنزل مؤكد حدوثه، وهذه الحالة لا تتعدى كونها أسلوباً سياسياً لتغذية أفكار وأمنيات يتمنى أصحابها واقعاً معيناً ولا يجرأون على البوح بهذا الأمر، فيضعون توقعاتهم في توقعات هذا المخمن والمتوقع.

على جانب آخر، هناك من المحللين الاقتصاديين البارزين ممن تحولت أعمالهم من التحليل الاقتصادي المبني على دورة الاقتصاد لتوقعات وتخمينات لا تخضع لأي قاعدة أو أسلوب اقتصادي، ودخلوا دائرة نجوم التخمين ولم يبقَ لهم سوى أن يربطوا حركة الأسهم والتداول بحركة النجوم أو ربط التقلبات السياسية بحركة الكواكب، فبعد أن توقعوا بحروب عالمية وخابت توقعاتهم ظهروا علينا هذا العام بتوقعات وتخمينات جديدة، والغريب أنهم مستمرون رغم فشل توقعاتهم، إلا أن تهافت المنصات والقنوات الإعلامية لتناقل مثل هذه الأخبار جعلهم مستمرين في أكاذيبهم ليحققوا الانتشار والشهرة التي يريدونها.

نجوم التخمين، وكما هي عادتهم، يضعون ألف توقع واحتمال، لعل أحدها يصيب ويتحقق، ولأننا نحب اكتشاف المجهول نركض وراءهم ليقرأوا لنا مستقبلنا ومستقبل قضايانا، ولأننا نحب المقارنة نترك جميع التوقعات التي لم تتحقق ونتمسك بذلك التوقع الذي أصاب، ونجعل من نجم التخمين هذا أسطورة في التخمين والتوقّع، بل يراه البعض وكأنه إنسان خارق للعادة مرفوع عنه الحجاب.

من عرافة عمياء إلى أخرى فاتنة وحسناء لذلك الرجل الذي يُوصف كلامه بالرياء، هكذا نستقبل أعوامنا عاماً بعد عام، والكثير منا يتسابق ليقرأ هذه التوقعات، والبعض يبدأ بدراسة وتحليل التوقعات لبرجه في العام المقبل، وبناءً على هذه التوقعات يضع في حساباتهم، فيما إذا كان العام الجديد هو عامه السعيد أو الحزين، وقلة قليلة من يضع في حساباته أن هؤلاء التجار هم من أولئك المهرة في التلاعب بمشاعر الناس، ليحققوا الشهرة بناءً على توقّعات خاطئة ليس لها أي أساس علمي أو روحاني، إنما هي في غالبها وأغلبيتها كذبة يصدقها الجهلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات