أردوغان المتهم الأول بتخريب المنطقة

عشر سنوات تمر الآن على صعود ما سُمّي وقتها بـ «الربيع العربي». كانت هناك أحلام عظيمة وبريئة للشعوب العربية، لكن الوطن العربي دفع ولا يزال يدفع ثمناً باهظاً حتى الآن، وأحد المتهمين الأساسيين، لهذه الخسارة هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي لعب الدور الأكبر في قلب المنطقة رأساً على عقب.

نعلم أن جهات كثيرة في الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، تبنت دعم صعود نظام تيار الإسلام السياسي في تركيا في بداية الألفية الثانية.

هي راهنت على أن نموذج حزب «العدالة والتنمية» في تركيا، قد يمثل نموذجاً متميزاً لحل أزمة الغرب مع الإسلام السياسي، خصوصاً بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2011 فى أمريكا.

هذا الرأي تبنته مراكز بحثية متنوعة في الغرب، ثم تبنته أجهزة مخابرات، وبعدها حكومات في الغرب، خصوصاً بعد أن حققت حكومة حزب العدالة والتنمية معدلات نمو اقتصادي مرتفعة في الفترة من 2002 إلى 2011.

خلال هذه الفترة رأينا مفكرين وسياسيين غربيين كثيرين، يضغطون على دول عربية لتتبنى النموذج التركي، وحينما حل الربيع العربي قبل عشر سنوات من الآن، رأينا الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما تضغط على مصر من أجل تنفيذ المخطط نفسه، وتنحّي حسني مبارك، ثم صعود جماعة «الإخوان» لحكم مصر، وسيطرتها على البرلمان بغرفتيه ثم رئاسة الجمهورية والحكومة. وبعدها بدأت الجماعة في عملية «أخونة» المجتمع، لولا ثورة 30 يونيو 2013، التي أنهت حكم الجماعة في مصر، وربما تكون قد أوقفت مخطط التمكين للإسلام السياسي في المنطقة بأكملها.

لا نعرف النوايا الغربية من تبنّي هذا النموذج من الحكم الأردوغاني، هل كان فعلاً بهدف حل مشكلة بعض جماعات الإسلام السياسي العنيفة التي بدأت في تهديد الغرب، أم كانت تدرك خطورة هذا النهج، وبالتالي كانت تسعى لتفكيك المجتمعات العربية والإسلامية من الداخل لعقود طويلة؟!

بغض النظر عن النية، فإن ما زرعه الغرب يجنيه العالم العربي والإسلامي في هذه الأيام.

بالطبع، فإنه حتى لو صح وجود مؤامرة غربية وراء كل ذلك، فإنها ما كانت لتنجح، لولا أن غالبية المجتمعات العربية، كانت قد وصلت إلى حالة من الفشل والفقر والتخلّف والاستبداد.

أدرك يقيناً أن كثيراً من الشعوب العربية، التي خرجت تطالب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في الشوارع والميادين قبل عشر سنوات، كانت بريئة وتسعى وراء أهداف مشروعة، لكن الذي حدث أن جماعات الإسلام السياسي وقوى التطرّف والظلام، تمكنت من ركوب هذه الموجة الشعبية، وحولتها إلى جهة مختلفة تماماً.

سوف يذكر التاريخ أن أردوغان لعب الدور الأكبر في صعود قوى وتنظيمات الإسلام السياسي في المنطقة. هو كان يحلم - بتشجيع غربي واضح- بأن يقود هذا التيار. هو تصوّر أنه سيكون خليفة المسلمين أو السلطان العثماني الجديد!

في 13 سبتمبر 2011 زار أردوغان دول الربيع العربي بادئاً بمصر، هو جاء ليطمئن على أن الخطة تسير على قدم وساق، لكن اللافت للنظر أنه طبّق مبدأ جماعة «الإخوان» الأساسي وكل التنظيمات المتطرفة المغلقة وهو «التقنية»،حينما طالب جماعة «الإخوان»، بأن يعملوا على بناء الدولة العلمانية على النموذج التركي، بل دعا إلى وضع دستور مصري على أساس المبادئ العلمانية!

يومها، غضب قادة وكوادر جماعة الإخوان كثيراً من كلمات أردوغان، لأنهم يكرهون كلمة علمانية ويرونها مرادفة للكفر!

ولا نعرف هل كان ما حدث مجرد تمثيلية متفق عليها بين أردوغان و«الإخوان»، أم أن أردوغان كان يقصد التطبيق على النموذج التركي، أي الادعاء بأنه يطبّق العلمانية، لكنه في النهاية قلبها «دولة دينية» قائمة على مبدأ السمع والطاعة للزعيم الأوحد، ومشجّعة لكل قوى التطرف والظلام في المنطقة والعالم؟!

سوف يحاسب التاريخ أردوغان حساباً عسيراً لأنه تسبّب في أن المنطقة العربية دفعت ثمناً فادحاً لمغامرته، التي بدأت في خريف 2011، ولا تزال آثارها الكارثية مستمرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات