وداعاً للذعر.. أهلاً بالأمل

لم تعِش البشرية، وأرجو ألا تعيش لحظات الذعر التي بدأت بها هذه السنة، التي توشك على الأفول، غير مأسوف عليها. فقد فتك «كوفيد 19»، وما انفكّ، بالبشر الآمنين، فأتاهم من حيث لم يحتسبوا، ففقد الناس أغلى أحبتهم، وخسروا الطمأنينة التي جهد الإنسان على توفيرها، باعتبارها منجزَ العقل الأسمى. سنة للنسيان، هذه التي تُدعى 2020، والتي تيمنّا بها خيراً، نظراً لتراتب الأرقام فيها. وليت الأرقام ظلت عند حدود الألفين وعشرين، لكنّ الفيروس أبى واستكبر، وفتك بالكائنات، حتى تخطّت إصاباته حول العالم أكثر من 80 مليون شخص، فيما توفي أكثر من مليون وزهاء 800 ألف شخص، ولسنا نعلم ماذا يخبّئه، بعدُ، هذا الفيروس اللعين، بسلالته الجديدة المتحوّرة.

ورغم قتامة المشهد، لا بد أن نطلّ على الجانب المضيء من المأساة، فقد شفي من الفيروس أكثر من نصف المصابين به، كما وصل العلماء الليل بالنهار في مختبرات العالم، من أجل التوصل إلى اللقاح الذي يُقدر أنه سيقضي على الفيروس الذي سدّد الضربات تلو الأخرى لأجساد البشر طيلة 2020، وآن للضربات أن تلاحقه وتدميه في 2021، كما فعلت من قبل بأوبئة أشد فتكاً، في ظروف أقلّ تطوراً وتقنية.

من الصعب هزيمة العلم، رغم الدرس القاسي لهذا الوباء، الذي كشف هشاشة الدراسات المستقبلية حول الأخطار المحيطة بالكوكب والكائنات. ولنعترف أنّ الرصد الاستشرافي كان في حالة أشبه بالغيبوبة، وهذا أمر تتحمّل مسؤوليته مراكز الأبحاث والجامعات والمختبرات الكبرى، وشركات الأدوية وأجهزة الاستخبارات، والتي في مجموعها تعاملت في البداية باستسهال وخفّة مع الفيروس، ما أوقع الناس في فم الموت المجاني، وعمّ الاضطراب العظيم، سائر أنحاء المعمورة. ذلك الدرس لا يتعيّن لأحد أن ينساه، فالمخاطر المحدقة بالكوكب كثيرة وقادمة، كما «يبشّرنا» بيل غيتس!

سنة للنسيان وللذكرى معاً، وهي سنة للتفكّر في كل جزئية فيها: تعلمنا قيمة الحياة، واختبرنا مآلات العزلة القهرية، وأدركنا أهمية التفاصيل الصغيرة، وعاينّا مشاعرنا تجاه أنفسنا والآخرين، لا سيما الشركاء المقرّبين، واكتشفنا كم نحتاج إلى ترميم ذواتنا، وإعادة النظر في الرومانسيات العابرة، التي تصلح ليومين أو أسبوع، لكنها لا تصلح لحياة تحت الخطر، وتلك معضلة تكشف مناطق الأنانية في كل واحد منا، وهي أنانية مبرّرة، ضمن حدودها في الأوقات الطبيعية، لكنها فاضت بكل أمراضها في زمن «كوفيد 19».

كشفت أزمة الوباء، عن وجه الأفراد ومعادنهم، كما كشفت عن وجه الدول في الوقت نفسه. ثمة بلاد تاجرت بالوباء، وفرضت أحكاماً عرفية على شعوبها، واستثمرت الجائحة من أجل الغلو في قهر المواطنين، وثمة دول رشيدة، اختبرت جاهزيتها الحقيقية في هذه اللحظة الصعبة، فحصدت بكفاءة منقطعة النظير، ما كانت زرعته قبل عشر سنوات وأكثر، فمرّ «كوفيد 19» بجوارها، لكنه لم يزلزلها، ولم يُدخلها منطقة الاضطراب العميم، والقرارات المتناقضة، بل ظلت راسخة هادئة واثقة، تدير الحرائق بعقل بارد، ممتلئ بالأمل والقدرة على الانتصار.

كان الشاعر العظيم ناظم حكمت، يهتف في أكثر اللحظات قسوة «أجملُ الأيام، تلك التي لم نعشها بعد». ونرجو أن يحمل عام 2021، بعضاً من أريج تلك الأيام، فيعود الناس إلى الاجتماع والعناق..

سنة للنسيان، نوشك أن نودّعها بعد يومين، لكن يتعيّن أن نتذكر جيداً، أنّ الدرس العميق الذي توقعناه، لم يُنجز على الوجه المشتهى: لم تحفر المأساة فينا، بحيث تجعلنا نتّعظ أو نتّحد أو نتآخى طويلاً. ظلت الحروب واتسعت، وامتلأت الشاشات برائحة الجثث.

وأما الكراهية بين الأفراد والجماعات، فما نقصت مثقال حبّة من خردل، وما انفك البشر يتدافعون وراء غرائزهم الدنيا، حتى لو داسوا على الأقربين منهم. المهم نفسي أولاً، وليكن الطوفان. وتلك إحدى أخطر معضلات الإنسان الأخلاقية في الزمن المعاصر: هشاشة المشاعر، وضآلة الحيّز الروحي، والضيق بالآخر ومنه، وانعدام اليقين، والرغبة الضارية في البقاء بأي ثمن، وبأية وسيلة.

إن لم نتعلم من جائحة «كوفيد 19»، فلن نتعلم من شيء، ومع ذلك، دعونا نرتدي قناع العقل المتشائم، والإرادة المتفائلة، ونقول: وداعاً للذعر.. أهلاً بالأمل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات