ترامب والشرق الأوسط

رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعترف بالهزيمة، ولم يتصل بخصمه الرئيس المنتخب جو بايدن، حسب العرف السائد، فإن رحيله بات مؤكداً يوم 20 يناير المقبل. وقد صوّت المجمع الانتخابي للرئيس المنتخب بايدن، وسيصادق عليه الكونغرس في 6 يناير المقبل، حيث أيد النتائج زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، تصويت المجمع الانتخابي. وفي الساعة الثانية عشرة من يوم 20 يناير، 2021، سيؤدي بايدن اليمن الدستوري، باعتباره الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة.

ولعل السؤال حول ترامب والشرق الأوسط، وتقييم دوره في هذه المنطقة المهمة من العالم أمر مهم لاستقاء الدروس المستفادة من فترة حكمه. فترامب ليس رئيساً عادياً، ومن سيخلفه في الحكم مهم لجهة معرفة توجهه وتاريخه. ولا يمكن عقد مقارنة بين الاثنين، إلا إذا ما محّصنا ممارسات الرئيس السابق أو الرؤساء السابقين.

وإذا ما رجعنا إلى انتخاب ترامب في 2016، وتوليه مقاليد الحكم في يناير 2017، كان الانتقال إلى السلطة بشكل سلس، رغم أن ترامب لم يفز بالأصوات الشعبية، ولكنه حسم أصوات المجمع الانتخابي لصالحه. وأبدى ترامب اهتمامه بمنطقة الشرق الأوسط التي زارها في مستهل ولايته. وقد نجحت الرياض في عقد مؤتمر إسلامي بحضور ترامب في العام 2017، لخلق إجماع مناهض للإرهاب، وحينها اتهمت دول بتمويل الإرهاب، ورغم أن واشنطن لم تلتزم بنفس السياسة تجاه هذه الدول، فيما اعتبر آنذاك مؤشر على تذبذب السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فإن ترامب أبدى اهتماماً واضحاً بواقع المنطقة، ودأب على احتواء إيران وخاصة نشاطاتها وتدخلاتها الإقليمية من العراق إلى لبنان.

وقد سعت إدارته حينذاك إلى تحقيق «إجماع استراتيجي» في المنطقة بين الدول العربية والإسلامية لمواجهة خطري الإرهاب وإيران، مع منح الأولوية للقتال ضد التطرف وما يسمى «الدول المارقة». ويشار إلى أن إدارة رونالد ريغان سبقته في ذلك بأن سعت لخلق حالة من «الإجماع الاستراتيجي» في ثمانينيات القرن الماضي بين الدول العربية لمواجهة الاتحاد السوفييتي، الذي غزا أفغانستان آنذاك.

وكانت استراتيجية الضغوط القصوى التي انتهجتها إدارة ترامب، تسعى إلى تقويض دور إيران المزعزع لأمن المنطقة، وجلبها إلى الطاولة لإعادة التفاوض بشأن الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد أتى ذلك بعدما انسحب ترامب من الاتفاقية النووية التي وقّعت في 2015 بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وألمانيا (5+1) مع إيران.

وقد اكتسب ذلك التوجه أهمية كبيرة، خاصة بعد أن تعرضت الملاحة البحرية في الخليج العربي لتهديد إيراني بالاعتداء على ناقلات نفط، كما تعرضت محطات النفط في المملكة العربية السعودية لهجمات أدت إلى تعطيل عمليات التصدير، ما كان له أثر سلبي على السوق النفطية، ورغم أن ترامب قال آنذاك إن المصالح الأمريكية لم تتعرض للخطر، فقد قرر الرد بعد أن أسقطت إيران طائرة أمريكية، ولكنه تردد في اللحظة الأخيرة. وقد عزّزت هذه الواقعة الاعتقاد بعدم اتزان السياسية الخارجية لترامب.

ولم تكن سياسات ترامب كلها على نسق واحد، فقد نجح في المفاوضات مع حركة طالبان، والتي قد تنهي الحرب الدائرة في أفغانستان منذ ما يقارب العقدين من الزمن.

ولعل السبب في كثير من التعثر في قضايا الشرق الأوسط بالنسبة لترامب مرده إلى أنه أتى من خارج المؤسسة السياسية. ورغم أنه أتى من النخبة الأمريكية، فإن خبرته السياسية تكاد تكون معدومة، ومعظمها تتعلق بأمور المال والأعمال، ولا يمكن إدارة دفة الحكم بنفس طريقة إدارة الشركات التجارية وسياسة المقايضات. ستتذكر المنطقة الرئيس ترامب على أنه وعد الكثير وأنجز، ولكن ليس كل ما وعد به.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات