من شرفة الانتظار

من شرفة الانتظار المطلة على نهاية عام وبداية عام تقف من جديد. تشعر هذه المرة أنك في بحر هائج متلاطم الأمواج. تبحث عن سفينة تنقذك من الغرق. تتذكر «يام» وهو يقول لأبيه نبي الله نوح: «سآوي إلى جبل يعصمني من الماء» فيجيبه: «لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم» قبل أن يحول بينهما الموج فيكون من المغرقين. كنت في مثل هذا اليوم من الأعوام السابقة تتجول ساخراً بين تنبؤات العرافين والمنجمين وهم يرسمون للذين يحبون الاستماع إليهم خارطة المستقبل. ها أنت تبحث عن نبوءة تخرجك من هذا الواقع الذي فرض نفسه عليك.

من شرفة الانتظار المطلة على نهاية عام وبداية عام، تقف رافعاً راية الاستسلام لقدرك وقدر الملايين من البشر. لا أنت «يام» الذي ظن أنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، ولا نبي الله «نوح» قريب منك ليدعوك إلى ركوب سفينته، ولا السفينة التي أنقذت البشرية من الفناء عندما طغى الماء في مرمى بصرك، ولا الأرض هي الأرض التي عاش عليها نوح وقومه، ولا الزمن هو الزمن الذي عاشوا فيه، فاترك خيالاتك أيها الواقف على شرفة الانتظار، وعش واقعك الذي تحسه كابوساً ثقيلاً، وعد إلى حياتك التي لم تعد حياتك التي كنت تعيشها قبل عام.

من شرفة الانتظار المطلة على نهاية عام وبداية عام، تنظر خلفك، تتأمل كيف كنت مندفعاً مثل صاروخ عابر للمسافات الطويلة، لا تضع في حسابك سوى رصيد الطموحات التي رسمتها لنفسك، وخطط العيش التي تصورتها لمستقبلك، وحزمة الآمال التي أودعتها رصيدك المفتوح على المزيد منها. شيء واحد لم تحسب له حساباً، شيء صغير غير مرئي دمر الصاروخ الذي يحملك وحوّله إلى رماد محطماً كل الطموحات التي رسمتها، وكل الخطط التي تصورتها، وكل الآمال التي أودعتها حسابك الذي لم يعد مفتوحاً إلا على شرفة الانتظار المطلة على نهاية عام وبداية عام لم تبدأ بعد مراسم استقباله.

من شرفة الانتظار المطلة على نهاية عام وبداية عام، وقفت قبل عام فاتحاً ذراعيك لزمن تصورته مختلفاً، ولكن ليس إلى هذه الدرجة التي لم تتوقعها. رميت من جعبتك كل المفاجآت التي قرأتها في الروايات والكتب التي كنت تلتهم منها كل عام العشرات سابحاً في خيال الكُتّاب الذين يتفننون في ملئها بكل ما يخالف التوقعات. كنت تحسب أن ما قرأته لم يُكتَب إلا للمتعة المحضة، فإذا بك تشعر أن كل المتع قد تبخرت في لحظة، وأن متعة صغيرة منها غدت أمنية غالية من الصعب تحقيقها، وأنك أصبحت على مسافة سنة ضوئية من تحقيق تلك الأمنية.

من شرفة الانتظار المطلة على نهاية عام وبداية عام، تطل عليك بارقة الأمل التي كثيراً ما نسيتها وسط الملذات التي كنت تعيشها بعيداً عن الكائنات الصغيرة التي يمكن أن تهدد استمتاعك بالحياة التي كنت غارقاً في نعيمها، فكيف استطاع كائن غير مرئي أن يعبث بملذاتك كلها ويبددها متعة إثر متعة، وأنت مستسلم لعبثه هذا لا تحرك ساكناً، إلى درجة أنه دفعك إلى الانزواء في بيتك، وتجنب أقرب الناس إليك، وإلغاء كل مشاريع سفرك، حتى الضروري منها، والانكفاء على نفسك، حتى فكرت في اللجوء إلى معالج ينقذك من القلق الذي يحيط بك من كل ناحية؟

من شرفة الانتظار المطلة على بداية عام ونهاية عام، تتراءى لك على البعد أضواء كثيرة، هي أقرب ما تكون إلى الشموع التي كنت توقدها في أعياد الميلاد التي مرت بك على مدى الأعوام السابقة من عمرك وعمر ملايين البشر الذين عبروا الحياة منذ آلاف السنين في مواكب تعرّض بعضها لما تتعرض له أنت اليوم، فهل تراهم أحسوا بما تعاني، وتحت أي ظروف عاشوا، وأي شروط فرضتها الأوبئة التي مروا بها عليهم، وكيف خرج من خرج منهم من تلك الجوائح بأقل قدر من الخسائر، وكيف عاد قطار الحياة إلى مجراه الطبيعي ونسي الناس ما حدث؟

من شرفة الانتظار المطلة على نهاية عام وبداية عام، تقف الآن طارداً كل الأفكار السوداء من رأسك، ممسكاً بخيط الأمل في تجاوز عام لم يكن بهيجاً على أي حال، سوى أنك قد تعلمت منه درساً بدروس الحياة كلها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات