كُنْ نجمَ نفسك أولاً

الأكثرُ شهرةً ليس دائماً هو الأفضل، والأكثرُ لمعاناً ليس دائماً هو الفيّاض بالنور، والجمالُ ليس مكياجاً وأزياءً ومساحيق. الحقيقيُّ لا يعلنُ عن نفسه، وليس مفتوناً بالزّيف، ولا يكترثُ بالأضواء والبريق الخدّاع. الحقيقيُّ كونٌ ممتلئ بذاته، ومشعٌّ بالرضا، والزهد، والثقة، والرغبة في الكمال.

كُنْ نجمَ نفسك أولاً. واعلمْ أنّ الذهبَ يشعّ مهما كان موقعه، ولو تحتَ أعماق التراب. واجعلْ قلبَك دليلَك إلى معرفة ما يليق بكَ، وما تستحقه. ثمة نجومٌ في حقول عدة تلتمعُ أمامَ فلاشات الكاميرات. قليلٌ من هؤلاء يستحقونَ النجومية، لكنّ غالبيّتهم بلا مواهب، فاعلمْ أنك أكثرُ نجومية من هؤلاء، وأشدُّ إبداعاً منهم.

لا تفقدْ ثقتك بنفسك لأنّك محاطٌ بما يشبه العزلة، وتعتقد أنّ قليلين قد سمعوا بك، وعلموا بمواهبك الثريّة. أنتَ اخترتَ ذلك، فللعزلة، والأصح الخلوة، فضائل لا يدركها إلا قلّة من النابهين القابعين في دائرة الضوْء الذي يُعمي الأبصار.

أصرّ مخرجٌ مسرحيٌ ذاتَ مساء، على أن يعرض مسرحيته لشخص واحد حرص على اتخاذ موقعه مبكّراً في المسرح الفسيح، وقدّم الممثلون أداءً خلّاباً. الكثرة ليست دائماً دلالة الجودة. والتصفيقُ الحارّ لا يتوجّه دائماً إلى ما هو خلّاق ومبتكر وفريد من نوعه.

اعمل بكل ما أوتيتَ من إتقان وصبر، وامنح كلَّ حواسك لما تنجزه، ولا تترك ثغرة صغيرة أم كبيرة إلا وأغلقتها وعالجتها، وتوكّل على قلبك، ولا تنسَ أنّ سنونوة واحدة.. واحدة فقط تكفي لإعلان الربيع.

الثبات الواثق، الذي لا يتأرجح، أمر ضروري لتعظيم مكتسبات الذات، وإسناد شموخها، وتكثيف إحساسها بالامتلاء، وهذا ما كنتُ خبرته شخصياً، عندما أسست موقعاً إخبارياً إلكترونياً حرصت على أن يكون رصيناً وموثوقاً ومؤتمناً ومستقلاً، فتوجهت للحصول على إعلانات من بعض المؤسسات الكبرى المحترمة التي تدعم بعض وسائل الإعلام، على قاعدة المسؤولية الاجتماعية، فأبلغني أحد المديرين التنفيذيين أنّ المعيار المعتمد لديه للإعلان في المواقع الإلكترونية هو تصنيفها بحسب «غوغل» أو «أليكسا» اللذين يعتمدان عدد الزيارات وعدد المشاهدات، معيارين وحيدين لتصنيف المواقع.

رفض المدير التنفيذي منح موقعي الإلكتروني الإعلان، مع أنه يعلن في عدد كبير من المواقع التي يحترف أغلبها التزييف والفبركة والابتزاز ونشر الشائعات، وهو ما أقرّ به الرجل الذي همس في أذني «نعلن عندهم كفاية شر»، أي درءاً لهجوم تلك المواقع وانتقاداتها لمؤسسته التي تتخذ من مشتقات النزاهة شعاراً لها!

كان يمكن أن يقودني هذا القرار المحبِط إلى سلوك درب تلك المواقع، لكنني لا أقوى على ذلك، فعقلي وقلبي متخمان بالأفكار الكبرى التي تتوخى الحق والعدل والجمال، وقررتُ مواجهة الرياح الهوج سنوات طويلة حتى هزمت العواصفُ الغاشمة أشرعتي، فلم أعد قادراً على أن أدفع تكاليف الموقع الإلكتروني والعاملين فيه، على قلّتهم، فانسحب الموقع من الساحة، ولم يقوَ أن يظلّ في المرصاد لحراس العتمة، وتجّار الأكاذيب.

ربما تكون نهاية مؤلمة ومخيّبة للأمل، لكنّ لها وجهاً مشرقاً ينصّ على عدم الامتثال لمعايير الخراب والرداءة والبذاءة، ولذريعة «الجمهور عايز كده». فإذا لم يكن المرء قادراً على نصرة الحق، فعليه، على الأقل، ألا يصفّق للباطل. الانسحاب يكون أحياناً احتجاجاً له هدير الرعد. المهم ألا يسحبك التيار، وألا تصبح قشة حائرة في فم الرياح.

القبض على جمرة المبدأ مؤلم جداً، لكنه أقل إيلاماً من أن يكون المرء بلا ملامح، وبلا هوية. السير مع القطيع مريح غالباً، لكنه يشبه المشي في الصحراء، حيث تتلاشى الخطى مع أول هبة ريح. والخطى ليست بصمة قَدَم وحسب، بل هي التي تصنع الطريق.

طباعة Email