العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الحوارات الوطنية.. حلّ للأوطان أم مخرج للإخوان؟!

    يمثّل الأصل في المجتمعات والحضارات التي تعيش في ظلّ دول ومؤسّسات مدنية أنّ الخلافات التّي تنشب داخلها تُساس وِفْقَ آليات ومنظومات مسبقة الوضع، لأنّه بخلاف ذلك فهي مجتمعات بدائية أو هي تشهد تحوّلات عميقة وتتّسم بعدم استقرار يُعيق العيش الآمن لمواطنيها.

    إنّ تونس كما بعض الدول الأخرى التي مرّت وتمرّ بمحنة «الربيع العربي» وجدت نفسها في وضعية عدم استقرار، هدّدت وتهدّد الحياة الآمنة للمواطن، وذلك نتيجة وصول حالة التجاذب والتنافر بين الأطراف السياسية والحزبية داخلها مرحلة استحال معها الحوار والتعايش.

    ومعلوم أنّ لهذا المرض العضال الذي بدأ بالاستفحال والانتشار داخل هذه المجتمعات دوافعه وأسبابه التي منها الداخلية، ولا تخلو منها كذلك التدخّلات الخارجية، التي زادت من حدّة الخلاف والاحتقان.

    وإذا كانت المصالح والرغبة في الهيمنة هي التي تحرّك تدخّل الأطراف الخارجية في الشّؤون الداخلية لأوطاننا، فإنّ ما يُشعل فتيل الأزمات داخلياً هو فقط الصرّاع المحموم على السّلطة والحُكْمِ، رغم أنّه قد يكون مغلّفاً بشعارات حقوقية أو ديمقراطية أو وطنية أو غيرها.

    وإنّ الصراع على السلطة والحُكْمِ في غياب مؤسّسات تؤطّره، وقوانين تنظّمه وآليات تحسم الخلافات التي تعترضه، لا يكون، في الغالب، عاملاً من عوامل تطوّر المجتمعات والدول، بل على العكس من ذلك، فإنّه يسرّع بخراب هذه المجتمعات وهذه الدول.

    وحتّى النجاحات النسبية التي تحقّقها بعض الحوارات بين الفرقاء تبيّن لاحقاً وسريعاً حدود تأثيرها وترسّخها في واقع لا تزال جلّ الأطراف والعناصر المكوّنة له تأبى التعايش مع بعضها البعض، ولا تزال خلفيات الاستبداد والانفراد بالسّلطة تتحكّم في البعض منها.

    وبمعزل عمّا تحيكه قوى إقليمية ودولية من مؤامرات ودسائس ضدّ دولنا ومجتمعاتنا، فإنّ احتضاننا القسري لبعض الأطراف ولعوامل التوتّر وتغذيتنا لها بالمساندة الانتهازية أو بالسلوكيات السلبية زاد في تعميق الأزمة، وهو ما أعاق ويُعيق أفق الحلّ السياسي لمعضلة الحُكْمِ في بلداننا.

    وتونس التي كانت شهدت جولة أولى من الحوار كانت بداياته في أكتوبر 2013، ونال استحساناً دولياً توّج بالحصول على نوبل للسلام سنة 2015، لم تتمكّن من ترسيخ نتائج هذا الحوار، في واقع مؤسّساتها وممارسة الأطراف السياسية والحزبية، حتّى أنّه بدا لاحقاً وكأنّه إطار استغلّته حركة «النهضة الإخوانية» من أجل الخروج من أزمة الحُكْمِ والمشروعية التي تردّت فيها بعد موجة الاغتيالات السياسية في سنة 2013، وكذلك فشلها الذريع في إيجاد الحلول المناسبة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أثّرت بشكل واضح على معيشة المواطن واستقرار تونس.

    وقد تابعنا أيضاً الحوار الليبي الذي انتظم في تونس مؤخّراً برعاية الأمم المتّحدة، ووقفنا على حقيقة أساسية وواضحة، وهي أنّه كان هو الآخر إطاراً لفرض ذات الملّة السياسية على الواقع والمجتمع الليبي الذي صوّت مرّتين ضدّ أنصار الإسلام السياسي.

    ويعود اليوم في تونس الحديث مجدّداً عن الحوار بين الأطراف السياسية كحلّ ضروري لأزمة الحُكْمِ في تونس، وقد طرحت المبادرة أطراف عدّة أهمّها الاتّحاد العام التونسي للشّغل.

    ومع يقيننا بأنّ الحلّ السياسي هو المخرج الوحيد للوضع في تونس، إلّا أنّه لا مناص من إبداء بعض التخوّفات من تكرار سيناريو الجولة الأولى من الحوار، والتي كانت مناسبة لإخراج «النهضة» من المأزق والكابوس الذي عاشته في أعقاب تجربة الحُكْمِ الأولى بعد انتخابات أكتوبر2011 .

    عديدة هي الأطراف السياسية والحزبية، التي ترى في هذا الحوار المقترح حالياً مناسبة أخرى لـ«النهضة الإخوانية» كي تغطّي على أزمتها الداخلية، وعلى فشلها المزمن في إدارة شؤون الدولة والشأن العام.

    والسؤال الذي يطرح نفسه بشدّة هو: كيف تُوفّق دولنا ومجتمعاتنا بين ضرورة تنظيم الحوار الوطني بوصفه السّبيل الوحيد للخروج من الأزمة وفِي الوقت ذاته، سدّ الطريق أمام حركات سياسية وُجدت أساساً لتخريب هذه الأوطان وهي في المطلق جزء من المشكلة، ولن تكون أبدًا جزءاً من الحل؟

    إنّ المعادلة تبدو مستحيلة والتوفيق بين الهدفين كذلك، ولكن في المقابل فإنّ السيناريوهات البديلة تتراءى لنا هي الأخرى كلّها كارثية.

    إنّ الحوار- أيّ حوار - هو عقيم إنْ هو لم يشمل الحديث والاتفاق على تغيير، ما من شأنه أن يقضي على مسبّبات الأزمات التي منها التشريعي والسياسي بما يفتح باباً للتغيير عن طريق الانتخابات، وبما يحمل هذه الأطراف السياسية المارقة عن الضوابط المدنية على تغيير ما بنفوسنا.

    ولكنّ يبدو أنّ الأُفق الانتخابي معدوم والأمل في أن تتغيّر هذه الأحزاب كذلك، وهو ما يشرّع القول إنّ مثل هذه الحوارات ليست حلّاً لمشكلات الأوطان، قدر ما هي مخارج لحركات «الإخوان» حتّى تتجاوز أزماتها.

    طباعة Email