«تسليع» المياه

يأبى العام 2020 أن ينتهي بسلام، فبعد كل المآسي التي فتكت بالبشرية فيه، ها هو وقبل أيام، ولأول مرة، يعلن فيه عن إنشاء أول سوق في العالم للعقود الآجلة للمياه، وذلك قد يؤدي إلى المضاربات من قبل الممولين الذين قد يتاجرون في المياه وكأنها سلعة أخرى، شأنها كشأن النفط والذهب.

الماء حق أساسي، شأنه شأن الهواء، وهو ملك للجميع، ومنفعة عامة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة البشر وسبل عيشهم، وهو مكوّن أساسي للصحة العامة، ومن الأهمية للعالم القدرة على الوصول إلى المياه أثناء محاربة جائحة «كوفيد 19» أولاً، وأثناء ممارسة البشر للحياة لاحقاً ودائماً وفي كل وقت.

عندما يعلن عن تدفق الماء للمرة الأولى كسلعة للتداول في أسواق البورصة العالمية، وحين تعامل المياه، كما يحدث الآن، كالذهب والنفط وغيرها من السلع الأخرى، التي يتم تداولها في السوق المالية في «وول ستريت»، فذلك يعني أنه وخلال سنوات قد يصبح سعر الماء في بعض المناطق أثمن من النفط؛ وسوف تعتمد أكثر الدول والغرب كافة، على محطات كهرباء تعتمد على إندماج الذرة «FT» مصدراً للطاقة، وعندها سوف يقل الطلب على النفط، بدرجة تؤثر على أسعاره، وبالمقابل سيكون هناك ارتفاع ملحوظ في سعر الماء.

ويتمثل الخطر الكبير في أن المنشآت الزراعية والمرافق الصناعية الكبرى، هي وحدها فقط من ستكون قادرة على شراء المياه، ما سيؤدي إلى تهميش قطاع الاقتصاد الضعيف، مثل صغار المزارعين، وهذا يضاعف من مشقة الطبقات الدنيا في مثل هذه القطاعات، ويزيدها غبناً أكثر مما واجهته نتيجة لموجة «الأتمتة» و«التأليل» التي فرضت استبعاداً قسرياً للأيادي العاملة في هذه القطاعات، وأحلت الآلات بديلاً لها.

وفي تقرير خاص للأمم المتحدة، فإن المياه بالفعل تتعرض لتهديد شديد من جرّاء تزايد عدد سكان الكوكب، وزيادة الطلب، والتلوث الخطير من الزراعة وصناعة التعدين، في سياق تفاقم تأثير تغيّر المناخ؛ ويؤكد التقرير على أن المياه مورد حيوي للاقتصاد، إلا أن الماء يحتوي على مجموعة من القيم الحيوية للمجتمعات، لا يدركها منطق السوق.

هذه القيم الحيوية التي لا يدركها منطق السوق أوجبت وجود مناقشات عالمية جارية بشأن القيم البيئية والاجتماعية والثقافية للمياه، بالتزامن مع الأنباء التي تشير إلى أنه سيتم تداولها في سوق العقود الآجلة في «وول ستريت» للتأكيد على أن قيمة المياه، كحق أساسي من حقوق الإنسان، مهددة الآن.

إن الكارثة المنتظرة تتمثل في أن دولاً لديها أنهار وشعوبها تعتمد على الزراعة والصناعة في معيشتها، سيكون لزاماً عليها أن تشتري المياه.

إن هذا الوضع يضع العالم بدوره أمام ضرورة إعادة النظر وإعادة التحديد لأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، سواء لما أصاب العالم من مأساة نتيجة لجائحة «كورونا»، أو لمواجهة التحديات الجديدة، بما فيها تحدي تسليع المياه الذي يتسق مع تفاقم تأثير تغير المناخ.

ويمكن القول بأن الصراع في التاريخ البشري كان ثابتاً على الدوام، وكانت الثقافة الإنسانية بمعطياتها المتجددة، هي المتحولة والمتغيرة فيه، ولا خلاف على ذلك، لكن أحد أهم مظاهر الصراع التي سيتم التحول إليها، وهي من مظاهر الماضي السحيق، هو صراع المياه، فالعالم الذي كان يقيم حضارته دائماً حول المياه وعند منابعها، ويعلن الحروب الطويلة من أجل ذلك الامتياز وتحقيقاً له، يعود إلى نقطة البداية وتعلن متغيراته اليوم عن بدايات عصر جديد هو عصر صراع وحروب المياه. وللحديث بقية.

طباعة Email