شائعات في البداية والنهاية

في بداية أزمة «كورونا»، ورغم تأكيد الجهات الصحية في جميع دول العالم خطورة الفيروس وأن مثل هذه الجائحة تحدث نتيجة تغييرات في الطبيعة وأنها بعيدة كل البعد عن نظرية المؤامرة، إلا أننا وجدنا من يشكّك في الوباء، ويطالب بعدم الالتزام والامتثال للإجراءات الصحية المتّبعة، وبعد أن أودى الفيروس بحياة الملايين، وجاءت اللحظة الحاسمة وإيجاد العديد من اللقاحات لتعطيل الفيروس، وجدنا أيضاً من يشكّك في اللقاحات ويعدها مؤامرة جديدة تحاك ضد البشرية.

في الأيام الماضية، ومع إعلان عدة دول عن البدء بتلقيح مواطنيها ضد فيروس «كورونا»، وجدنا مناهضين للقاح في الولايات المتحدة، وأيضاً في لندن وبعض المدن الألمانية، وشاهدنا أيضاً بعض المناشدات من هؤلاء المناهضين بضرورة تحطيم مراكز التطعيم لكونها تعادي الإنسانية، فهؤلاء يعتقدون أن اللقاح هدفه السيطرة على السكان، والتأثير في مستقبلهم.

المؤامرة هذه المرة أخذت منحنيات مختلفة، فبعد أن عدّ البعض أن الفيروس جاء للقضاء على كبار السن، أو أن الفيروس تم تصنيعه لخدمة ألاعيب سياسية وحرب بيولوجية قادتها دول ضد بعضها البعض، واليوم جاءت نظرية المؤامرة، بعد أن عدّ البعض أن اللقاح يحتوي على «مايكروتشيب» أو شريحة تزرع داخل الإنسان، للتحكّم فيه، أو السيطرة عليه، أو على الأقل مراقبته.

رغم أن هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة، وبعيدة كل البعد عن الواقع، ولا أقول هذا الكلام لثقتي المطلقة بمن يدير مثل هذه الأمور في العالم، ولكن لثقتي بأن التطورات التي نشهدها في هذا الوقت، في ما يخص الشرائح وزراعتها وتطوراتها وإمكاناتها لم ترتقِ حتى الآن، لأن تؤثر في الإنسان وتتحكم فيه أو حتى تراقبه، وطريقة التلقيح لفيروس «كورونا» لا تشبه بتاتاً تلك الإجراءات التي يتم من خلالها زراعة الشرائح داخل جسم الإنسان، ولهذا علينا أن نكون عقلانيين في تعاطينا مع مثل هذه الأمور، بدلاً من الانسياق وراء تكهنات وفرضيات أفلام الخيال العلمي!

الوزارات والجهات المعنية في جميع دول العالم، أكدت سلامة اللقاح وأنه لا يقرب ولا من أي ناحية أو اتجاه لنظرية المؤامرة، وأن فيروس «كورونا» لن ينتهي من دون اللقاح والتلقيح، ومن الضروري الوثوق بالجهات الصحية، فهي من حملت مسؤولية حماية الإنسان في الفترة الماضية، ومستمرة في القيام بدورها حتى النهاية، واللقاح هو المرحلة النهائية لعودة الحياة كما كانت من قبل، فبعد أن عانى العالم الإغلاق والتباعد والتعقيم المستمر، وطالبت البشرية بإيجاد الحل، وعندما جاء الحل وأوجد العلماء اللقاح راح البعض ليشكّك ويتخوف منه، رغم أننا لو تفكرنا قليلاً لوجدنا أن جميع التكهنات والمخاوف، لا تمت للواقع بصلة ولا تنسجم أبداً مع المعطيات الواقعية.

لو أراد العالم زرع الشرائح داخل الإنسان فهناك عشرات الطرق، فكم طفل يولد كل يوم، أليس هناك الفرصة لزرع الشرائح للأطفال عند ولادتهم؟ وكم من عملية جراحية تجرى كل يوم، وبالإمكان زراعة أعضاء بشرية وليس فقط شرائح إلكترونية، وكم شخص يقوم بمراجعة الطبيب كل يوم ويأخذ عدة أشكال من الإبر، أليس كان من الأسهل أن يتم زرع هذه الشرائح في مثل هذه الحالات؟ وإن أراد العالم أن يجتمع ليسيطر على البشر، فهناك ملايين الطرق ولا تحتاج للقاح «كورونا» ليتم تنفيذ هذا المخطط.

نظرية المؤامرة أصبحت مسيطرة على الكثير من العقول حول العالم، وربما عدم ثقة الشعوب بالحكومات والقيادات لها أسبابها، وربما يكونون محقين في عدم الثقة هذه، ولكن هذا لا يعني أبداً أن نعلّق جميع أمور حياتنا على شماعة نظرية المؤامرة، إذ إن «كورونا» وأزمته الصحية وجميع ما رافقه من تداعيات وتطورات لم تكن إلا تحدياً للبشرية، وربما نشهد في السنوات المقبلة أموراً مشابهة لا أحد يعلم متى نفيق، ونجد فيروساً جديداً لعيناً يهدد حياتنا، فهذه هي الطبيعة وهكذا تجري الأمور فيها، وكل ما علينا أن نتخلص من مخاوفنا، ونحصل على اللقاح لتنتهي الأزمة وتعود الحياة كما كانت، نعم نتكلم عن جدوى التطعيم ونسبة حمايته من المرض، ولكن لا نضع فرضية أنه سيقضي على الإسلام والمسلمين أو أنه سيحملهم على ترك العبادات، فلو كان كذلك فلا ذنب عليك، بل قد سقط عنك التكليف والله أعلم بالخفايا والنوايا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات