سبحان مغيّر الأقوال

رحّب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بالإعلان الإسرائيلي المغربي حول اتفاق السلام بين البلدين. وقال عباس في تصريحات صحافية، إن إسرائيل من حقها العيش بسلام مع كل دول العالم، وإن إعلان السلام مع المغرب، هي خطوة مرحّب بها، وإنه نقل تلك الرسالة في اتصال هاتفي تلقاه من العاهل المغربي. هذا هو الخبر الذي بثته شبكة فلسطين للأنباء «شفا»، يوم الخميس الماضي.

فركت عيني غير مصدّق. أليس هذا هو محمود عباس نفسه، الذي أعلن في شهر أغسطس الماضي، رفضه معاهدة السلام بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل؟ أليس هو نفسه الذي قال إنه إذا أقدمت أي دولة عربية أخرى على خطوة مماثلة، فإن السلطة الفلسطينية ستتخذ تجاهها الموقف نفسه الذي اتخذته إزاء الإمارات؟ أليس هو نفسه الذي قال إنه ليس من حق الإمارات، أو أي دولة أخرى، أن تتحدث باسم الشعب الفلسطيني، رغم أن دولة الإمارات لم تفعل ذلك؟ أين ذهبت تلك التصريحات النارية، وكيف حلّت محلّها هذه التصريحات الثلجية؟ هل من المعقول أن يغيّر الإنسان أقواله خلال أقل من أربعة شهور؟ هل كانت إسرائيل في شهر أغسطس وحشاً كاسراً، وأصبحت في شهر ديسمبر حملاً وديعاً؟.

واضح أن هناك خللاً ما، في مكان ما، على درجة ما، في فهمنا نحن لتصريحات السيد رئيس السلطة الفلسطينية، أو أن هذا الخلل موجود في فهم السيد رئيس السلطة الفلسطينية لمعاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل، والاتفاق المغربي الإسرائيلي. وإلا فكيف كانت معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية اتفاقاً شيطانياً في شهر أغسطس الماضي، وكيف أصبح الاتفاق المغربي الإسرائيلي خطوة مرحّب بها في شهر ديسمبر الحالي؟ كيف كانت إسرائيل في نظر السيد محمود عباس دولة معتدية، والدول المعتدية لا يحق لها العيش بسلام، في شهر أغسطس الماضي، وكيف أصبح من حقّها العيش بسلام مع كل دول العالم في شهر ديسمبر الحالي؟.

يقولون إذا كان المتكلم مجنوناً فالمستمع عاقل. والخط الفاصل بين الجنون والعقل في ما يقوله السيد محمود عباس، وما نسمعه نحن، دقيق، لكنه واضح وضوح الشمس. وفي تفاصيل الاتفاقات التي تم إعلانها بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وجمهورية السودان والمملكة المغربية، وبين تصريحات السيد محمود عباس، يتضح الحد الفاصل بين العقل والجنون. فكيف يكون بعض هذه الاتفاقات خيانة واستغلالاً لقضية الشعب الفلسطيني، وكيف يكون بعضها الآخر خطوات مرحّب بها من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، الذي يبدو أنه هو الذي فقد خطوته؟.

لم تدّعِ دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا أي دولة عربية وقّعت معاهدة سلام مع إسرائيل، منذ اتفاقات كامب ديفيد وحتى اليوم، أنها تتفاوض باسم الفلسطينيين، ولا بالنيابة عنهم، ولم تستغل أي دولة وقّعت معاهدة سلام مع إسرائيل، قضية الشعب الفلسطيني. الذين استغلوا القضية معروفون، وأوراقهم مكشوفة، سواء كانوا من قادة بعض الدول الذين تاجروا بالقضية، أو استغلوا الفصائل الفلسطينية لتصفية حساباتهم مع معارضيهم وجيرانهم، أو من قادة الشعب الفلسطيني نفسه. هؤلاء معروفون، سواء من غاب منهم عن المشهد برحيله عن الحياة، أو من لا يزال منهم على قيد الحياة، يكرر المواقف نفسها، ويجتر التصريحات نفسها، ويوزع تهم الخيانة نفسها، وهو غير بعيد عنها، ولا بريء منها.

وحده التاريخ سيحكم على من باع القضية وتاجر بها واستغلها أسوأ استغلال، ومن بذل الجهود سخية من أجل القضية، ولم يتاجر بها أو يستغلها. ووحدها الأيام ستكشف أوراق أولئك الذين تتبدل مواقفهم، وتتغير ما بين غمضة عين وانتباهتها. وما بين غمضة العين وانتباهتها، قد يكون شهوراً أحياناً، تتبدل خلالها المواقف، وتتغير الأقوال، حتى لو كانت الأحوال هي هي لم تتغير. لذلك، فإن تصريحات السيد رئيس السلطة الفلسطينية، التي تغيّرت ما بين اتفاق واتفاق تأتي في هذا السياق. وهو تغيّر لا يثير الاستغراب، بقدر ما يثير الشفقة، وأشياء أخرى من غير المستحب تسميتها وذكرها، أشياء لا تضفي على المشهد سوى المزيد من القتامة والحزن والرثاء.

السيد رئيس السلطة الفلسطينية، يرحّب بالإعلان الإسرائيلي المغربي حول معاهدة السلام بين البلدين، ويقول إن إسرائيل من حقها العيش بسلام مع كل دول العالم، وإن إعلان السلام مع المغرب، هي خطوة مرحب بها. ولا نقول سوى سبحان مغيّر الأقوال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات