التاريخ والانتماء

تحدث فلاسفة القومية عن أن التاريخ المشترك مقوّم من مقومات الأمة. ولكن ماذا يعني أن يكون التاريخ أحد مقوّمات الأمة؟ يعني ذلك أن هناك وعياً لدى أفراد الأمة بأنهم ينتمون إلى ماضٍ مشترك من الوقائع والأحداث والرموز الشخصية والثقافة الإبداعية، وتحتفظ الذاكرة المجتمعية عن طريق التعليم والتربية وتناقل وروايات بهذا كله.

وما من شعب من شعوب الأرض، إلا ولقد صنع تاريخه الخاص، أو عاش تاريخاً من السلم والحرب والعدوان والتقدم والتأخّر والجمود والنهضة، والرموز. فهل كل هذا التاريخ هو مقوّم من مقوماته؟ هل يستطيع شعب من الشعوب أن يفتخر بكل تاريخه إذا كان التاريخ ينطوي على كل هذه التناقضات؟

يتحدث أبناء الوطن عن صفحات ناصعة من تاريخهم، وعن صفحات سوداء، ولا يمكن أن تخلق الصفحات السوداء من تاريخ الوطن اعتزازاً لدى أفراده.

ما زالت كتب التاريخ تفخر بانتصار العربي في معركة ذي قار على جيش كسرى، وما زلنا نعتز نحن العرب بانتصاراتنا في معركة اليرموك والقادسية على أكبر إمبراطوريتين في ذلك العصر:

البيزنطية والفارسية.

لكن لا أحد يفتخر بحرب داحس والغبراء التي كادت أن تفني عبساً وذبيان بسبب اختلاف سخيف تم حول سباق فرسين بهذا الاسم.

ولا أعتقد أن الحرب بين جيش عليّ وجيش معاوية على الخلافة مصدر فخر، وليست الحرب بين جماعة عليّ والخوارج تاريخاً يدعو للعزة التاريخية، إلا عند من ينتمون أيديولوجياً لأحد الطرفين.

ويشترك العرب بالانتماء إلى التاريخ الإسلامي منذ بداية الإسلام، وهذا ما يمنحهم وعياً جمعياً بالتاريخ، سواء أكان تاريخاً ثقافياً أم تاريخاً سياسياً. ومع ذلك، فإن هذا التاريخ مُختلف عليه عند الطوائف.

ولكن لو تأملنا تاريخ كل دولة عربية بعد نشوئها، فإننا نواجه سؤالاً حقيقياً يتعلق بالتاريخ والأمة، ألا وهو: هل يشكل تاريخ كل دولة عربية تاريخاً للدول الأخرى؟

هل يعني تاريخ مصر شيئاً لدولة المغرب مثلاً؟ وما قيمة تاريخ اليمن المعاصر لدولة مثل موريتانيا؟

صحيح أن الكتب المدرسية في بعض الدول العربية تدرّس تاريخ استقلال هذه الدولة أو تلك، أو تاريخ تكونها المعاصر، لكن الوعي الشعبي بتاريخ العرب المعاصر هو وعي بتاريخ بلده فقط. فمعرفة التاريخ لا تنتج وعياً تاريخياً بالانتماء. تماماً كمعرفتنا لتاريخ الثورة الفرنسية الذي لا يقودنا إلى اعتبارها جزءاً من تاريخنا.

يجب الاعتراف بأن هناك تاريخاً وطنياً راح يتكوّن منذ نشوء الدول العربية المعاصرة، وهو تاريخ معيش أكثر منه تاريخ ذاكرة. وقد ولّد هذا التاريخ الوطني وعياً جديداً بالهوية يقوم على تعايش هويتين معاً: الهوية العربية القومية والهوية الوطنية للدولة، مع قوة حضور للهوية الوطنية.

وإن الاعتراف بهذه الحقيقة الواقعية من شأنه أن يحد من الوعي الأيديولوجي الذي لا يلتفت إلى الحقائق بل إلى الرغبات.

وليس هذا فحسب، بل إن الوعي الأيديولوجي بالتاريخ القديم أو الحديث والمعاصر من شأنه أن يعقّد علاقة التاريخ بالانتماء.

فماذا يعني مثلاً أن لا تعترف بعض الطوائف بتاريخ الخلفاء وتاريخ دولة الأمويين والعباسيين والأيوبيين وما شابه ذلك من مراحل؟

والوعي الأيديولوجي بالتاريخ لدى الحوثيين مثلاً من شأنه أن يدمّر الهوية الوطنية لليمن التي لم تشهد صراعات أساسها طائفي.

وفي كل الأحوال إن الوعي الأيديولوجي بالتاريخ والانتماء لا يخلق شعوراً جمعيّاً بالهوية، ولن يخلق.

وتأسيساً على ذلك، فإن نظرة جديدة إلى التاريخ في استمراره وانقطاعاته من شأنها أن تحرّرنا من الوعي الزائف بالماضي وعلاقته بالحاضر.

بل إن الانطلاق من الدولة الوطنية وتاريخها المعاصر من شأنه وحده، عبر المصالح المشتركة، أن يخلق نمطاً جديداً من الوعي التاريخي المطابق لحركة التاريخ، وليس المناقض له بحجة الأيديولوجيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات