الوباء بين خبرين

أكمل وباء «كوفيد 19» عاماً كاملاً من عمر جولته المشؤومة حول العالم، والتي أصاب فيها أكثر من 65 مليون إنسان، وأزهق أرواح زهاء 1.5 مليون منهم. في غضون هذا العام، الذي يندرج ضمن الأثقل ظلاً والأطول في التاريخ، أقضّ الوباء مضاجع الخلق أجمعين، وأجبرهم على البحث عن ملاذات صحية آمنة، واتخاذ إجراءات وقائية واحترازية جماعية وفردية، بعضها لم يراود أحداً من قبل.. كيف لا وقد فرق أحياناً بين المرء وزوجه، وحاصر نجوعاً وقرى ومدناً، وباعد بين الشعوب والأمم ما باعد، وأطاح كثيرين في مهاوي الفقر بعد أن أغلق مصادر أرزاق كثيرة، وأدى عموماً إلى غير ذلك من المساوئ التي تعز عن الحصر في مختلف جهات المعمورة؟

أثناء شهور الصيف الفائت، مالت الخطوط البيانية لانتشار الوباء قليلاً نحو الانحدار.. وكالغريق الذي يتعلق بقشة، تفاءل البعض بإمكان النجاح في تجاوز المحنة، وذهبوا إلى أن البشرية بحاجة إلى التجمل بالصبر والتعاون، قبل كسر وطأة الوباء أو القضاء المبرم عليه، بفعل إبداعات العلماء واجتهاداتهم في المعامل، بحثاً عن اللقاح المطلوب لهذا الهدف السامي. وعلى سبيل طمأنة الذات، نسبوا انخفاض معدل الإصابات والوفيات إلى نجاعة أنماط المقاومة.

لا يصح إنكار جدوى إجراءات الحماية والتحسب والوقاية، التي فزعت إليها البشرية في التصدي للوباء، والتي من المؤكد أنه من دونها، لكانت أرقام الضحايا قد بلغت أضعافاً مضاعفة.. لكن هذا لا يمنع من إلقاء شيء من اللوم والمعاتبة في حجر الذين أفرطوا في التفاؤل، متوقعين سرعة انتهاء الوباء.

من المفارقات التي تسترعي الانتباه، أن مجتمعات الشمال المتقدمة على جانبي الأطلسي، التي أوسعها الوباء تفشياً في ما يسمى بموجته الأولى، هي بعينها التي تعاني أكثر من غيرها راهناً جراء ما وصف بعودته غير الحميدة. وأغلب الظن أننا إزاء توصيف مضلل، لأن الوباء لم يغب من الأصل حتى يعود. وتزداد الدهشة في هذا السياق، حين نلاحظ كيف أن المجتمع الأمريكي، الذي يتربع على عرش القوة الدولية بكل معانيها ومستلزماتها، يكاد لا يفارق رأس قائمة ضحايا الوباء.. وذلك بأعداد تراوح حتى الساعة حول 14 مليوناً من الإصابات و270 ألفاً من الوفيات.

والحال كذلك كان الاستبشار والتبشير بدحر الوباء، الذي لم يتخلَّ عن الكر بغير فر، أقرب إلى سحابة صيف.. ومع هذا فإن عالمنا بقضه وقضيضه يعيش اليوم إجمالاً بين خبرين: الخبر الأول سيئ مقبض، وهو ديمومة وجود الوباء وكثافة مباغتاته اللعينة، ولا سيما في حشايا دول بعينها، هي بالترتيب وفقاً لأحدث البيانات الموثوق بها الولايات المتحدة، البرازيل، الهند، المكسيك، بريطانيا، إيطاليا، فرنسا، إيران، إسبانيا، روسيا. والخبر الثاني جيد مبهج، موجزه التوصل إلى اللقاح الواقي من الوباء، بجهود مختبرات ومعامل، تتنافس على ذكر فضائل وميزات ما أنتجت وجربت، وعلى رأسها شركة «فايزر» الأمريكية بالتعاون مع شركة «بيونتك» الألمانية.

يوماً تلو آخر تتأكد بشارة هذا الخبر الأخير، الذي جعل البشرية تتنفس الصعداء، عبر مصادقة جهات الاختصاص، وطليعتها منظمة الصحة العالمية، على فحواه، وتزاحم الدول على إبرام صفقات شراء ما يلزمها من اللقاح، وانطلاق طلائع عمليات شحنه في أكثر من اتجاه. بيد أن من دواعي الحيطة والحذر، الالتزام بمتابعة ما بعد عمليات التلقيح واسعة النطاق فترة زمنية، بغية التعرف على النتائج الميدانية ومعاينتها بدقة لدى مختلف المجتمعات. هذا بالطبع عمل أهل الاختصاص، الذين يدركون أن تغاير البيئات والعادات وأنماط التغذية ونحو ذلك، فضلاً عن احتمال التحول في طبيعة الوباء وتخابثه، قد تطرح أسئلة لم تتطرق إليها تجارب شركات الأدوية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات