ما أعظمَ الخيال

حَلُم ابن البادية، وهو يتأمل السماء المطرّزة بالنجوم في ليل الخليج، أن يترامى قدّام عينيه العمرانُ ويشهُق، وأن يخضرّ قلبُ الصحراء. أصرّ ابن البادية على حلمه. أصغى إلى حكمته، وتسلح بالصبر والخيال، فكان له ما أراد، ولم يكن يعلم بما قاله نابليون عن أنّ «الخيال يَحكم العالم».

بقوة الخيال انتصر ابن البادية على المستحيل، وببساط الريح هذا روّض الطبيعة، ولم يخلد إلى الراحة لأنّ تحت قدميه آباراً لا تنضب من الذهب الأسود، بل دشّن عهداً جديداً من الاقتصاد المعرفي، الذي هو ابن الحداثة. والحداثة ابنة الخيال. والخيال رفيق المستقبل.

وفي زمن العولمة والسماءات المفتوحة، أصبح شريكاً في الإرث الكوكبي للحضارة الإنسانية، يشتبك معها ويجادلها ويثريها، مصغياً لجده العظيم آينشتاين: «المنطق سوف يأخذك من ألف إلى باء، والخيال سوف يأخذك إلى أي مكان».

وها هو الآن، في خلوته التي بلا ضفاف، كلما حنّ إلى مطر في عز الصيف اعتصم بفيديوهات يشاهدها على شاشة التلفاز الكبيرة، بعد أن يسدل الستائر، فيشعر بالقشعريرة تسري في بدنه، ويتخيل مطراً حقيقياً في ذلك المنزل المستلقي، بخيلاء، فوق ربوة تطل على الغيوم.

لا حيلة لمن يقيم في مدينة، لا تعرف المطر كثيراً، سوى الاعتصام بالخيال الذي أشعل فتيلَه ذلك البدوي البعيد، فحضارة الإنترنت، الآن، تجعل المجاز واقعاً. انظر إلى «الفاير بليس». ألا تحسّ بناره تدفئ قدميك الباردتين. عش لحظة الوهم اللذيذ تلك، واملأ مخيلتك بما طاب من الصور، واسرح فيما نأى عن ناظريك.

ربما للأمر صلة بصداقة الوهم، واللهو مع الذات التي تستعذب الخيال، ما دام يحقق لها انفراجاً ولو خاطفاً، ويمسح بيديه على جبينها المتعب. بسيف الخيال الشفيف الرهيف لا تهرب الذات من واقعها، وإنما تخلقه من جديد، كأنما تنشئ هندسة لانتظاراتها.

هل أجازف وأقول إنّ الفقر هو ابن الخيال الهزيل، الكسيح، المصاب بفقر الدم؟ أليس الفقر، في أحد جوانبه، استسلام لوقائع حسبناها أقداراً مكتوبة علينا، واستسلمنا لهذا الإكراه العنيف، الذي جعل شعوباً تئنّ، وتعتقد أنّ سوء حالها، فقط، مردّه إلى القوى العظمى وهيمنة رأسمال المال، والتوحش الليبرالي؟ هل لجأ الفقراء يوماً إلى الخيال الجامح فأخلصوا له وصبروا عليه، وأعدّوا له العدّة، وخذلهم؟

أغمض عينيك، فقيراً كنت أم ثرياً، وتخيل ما تشاء. استغرق في الذكريات، وفي حواشي الصور التي رأيتها في فيلم، أو قرأت عنها في رواية. اخلط ما تشاء مع ما تشاء؛ كي تحظى بالدهشة المشتهاة، وكيلا تبقى روحك فقيرة تعوّل على شيء هو، في الواقع المتخيل، أقرب إليك من حبل الوريد. ارتحل إلى ثلج وأكواخ مضاءة بلهيب الجمر. انتصر على الحواجز المادية، واقطف اللحظة في كامل بهائها، ولا تنتظر فُتات الواقع الفقير. ابنِ واقعك الفسيح، وتمرّد على الجغرافيا.

وسيكون سعيداً من يستعير، في هذه الرحلة، مخيلة الطفل. هكذا يفعل الشعراء المُجيدون؛ لأنّ تلك المخيلة طازجة، بكر، ليست مدرِكة للترابط المنطقي بين الأشياء والذي يفسد الدهشة. ومن يُقيض له أن يعيش بمخيلة الطفل، الذي كانه، سيحظى بالبهجة الوفيرة.

حدّثني الرجل الذي يعشق رمل الشواطئ، بأنه كلما رأى البحر يشهق. أقسم لي أنّ الشهيق سلوك مرتبط شَرطياً بمشهد البحر. كأنما ذلك الشهيق ردة فعل غير إرادية ورثها من بلاد لا بحار فيها، ولا أنهار تشق عروق التراب. لذا ظل يبتدع البحر في خياله، مذعناً لمشيئة الأمواج وهي تقذفه أنى شاءت الريح. وظل يُمنّي النفس أن يعثر على نوارس وسفن صغيرة وأشرعة، وطفل مكتهل أشيب الحاجبين يبني قلعة من رمال.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات