لصبر التونسيين حدود

ذات يوم من عام 2012، زار رئيس حكومة «الترويكا» التونسية في نسختها الأولى، حمّادي الجبالي، محافظة سليانة الداخلية، فهاله ما شاهد من وَضْعٍ متدهور للمواطن التونسي وللمنطقة عموماً، فقال قولته «الشهيرة»: ما هذا، أين الحكومة؟!!

الجبالي كان حينها الأمين العام لحركة النهضة الإخوانية، وكان الرجل موغلاً في السلفية و«الإخوانية»، وقد يكون نسي أو تناسى عند إطلاق صيحته أنه الحاكم الفعلي للبلاد، وأنه يختزل أكثر من 90 في المئة من صلاحيات السلطة في تونس، ولكننا نعتقد أن ما حرّك الكلام عند الجبالي هو لُبّ العقيدة «الإخوانية» المتمسكة دوماً بالتهرب المستمر من أي مسؤولية تجاه الآخرين من غير هذه الملّة.

كان هذا دوماً ديدن حركة «النهضة» في سياساتها ومواقفها منذ تمكّنها من الحُكم في أكتوبر2011، سياسة قامت أولاً على أخذ الأقصى من غنيمة السلطة، وتقديم الوهم للآخرين، وثانياً هي سياسة أتقنت التخفّي وراء «حلفاء» أغلبهم من وَرَق، وحمّلتهم كلهم مسؤولية إخفاقاتها في إيجاد الحلول المناسبة للواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المتأزم، عند اللزوم، وقد كان مصير هؤلاء «الحلفاء» الانقراض السياسي وبلا أي استثناء.

المهم في كل هذا أن «النهضة الإخوانية» تحكم وتنعم بغنائم السلطة والحُكم وفي ذات الوقت تنتهج سلوكيات المعارضة، وتتبنى في الغالب خطاباً وممارسة ميدانية معارضيْن لسلطة تتحكم فيها بالكامل.

ولن نخوض في أسباب الفشل الراجعة إلى غياب المعرفة والكفاءة على الأقل خلال التجربة الأولى لحكم «النهضة» سنة 2011، ولكن الغالب على الظن أن الحركة، أو لنقل التوجّه السائد داخلها والمتحكم في قرارها قد يكون سلك سياسة الاقتصاص من مجتمع لفظها ورفض، رغم كل المحاولات، أن يتقبلها كمكوّن من مكونات المجتمع، وهي لذلك لم تستطع مطلقاً الاندماج فيه.

وإن الحراك الاحتجاجي الذي كانت بداياته ومنطلقاته معلومة للجميع بدأ يخرج عن كل سيطرة، وبدأ الخوف يكبر لدى «النهضة» من أن الوجه الآخر لهذا الانفلات في الاحتجاجات هو بداية انهيار فعلي للدولة ولمؤسساتها، وهو ما يعني أنها ستخسر كحد أدنى مواقعها في الحُكم والسلطة.

وما يزيد من مخاوف «النهضة» هو دخول أطراف أخرى على خطّ هذا الحراك الاجتماعي الذي تراءى لها بداية أنه تحت السيطرة، ومن ذلك بعض التنسيقات الجهوية التي تريد توسيع رقعة الاحتجاجات والتي يرى فيها بعض المتابعين أنها من الموالين لرئيس الجمهورية، وإن كان الاعتقاد يسود أيضاً بأنها توظف اسم الرئيس ولا تأتمر بأمره.

وما يزيد هذا الوضع التباساً هو أن الرئاسة تسلك، للأسف، هي الأخرى سياسة «الأحزاب» المعارضة، وهو وَضْع يعتقد الجميع من غير الرئاسة بأنه يتناقض مع الدستور الذي ينصّ على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة التي تقع على عاتقها مسؤولية الحُكم، وبالتالي فإن على الرئاسة أن تجد بدورها الحلول المناسبة لأزمات البلاد والعباد، وأن لا تكتفي بتشخيص الأوضاع.

والواضح أن تونس عانت على مدى العشرية السابقة من تداعيات سياسات «النهضة»، وهي على الأرجح ستستمر في معاناتها هذه خلال العشرية المقبلة، وقد تضيع مصلحة الوطن والمواطن بين حزب «إخواني» لا يتوانى عن فِعل أي شيء من أجل استمراره في الحُكم، و«مدّ ثوري» شعبوي لن يهدأ حتى يأتي على الأخضر واليابس.

ولا يبدو أن الانفراج قريب، خصوصاً في ضوء غياب صوت جامع وقادر على تجميع من خلصت نيّته ووطنيته من الأطراف السياسية والحزبية حول برنامج إنقاذ وطني جدّي.

وحتى المبادرة التي تقدم بها اتحاد العمال التونسي، والتي تؤيدها معظم الأطراف الحزبية والسياسية والمنظمات الأهلية، يبدو أن رئاسة الجمهورية أسقطتها من حساباتها بتعلّة أنها لا تريد أن تؤسس لفضاء تواصل بين التونسيين يكون من بينهم من علقت بهم شبهات فساد رغم أن القضاء لم يبت في الأمر بعد، ورغم ما يُفترض من أن الرئيس هو في الأول والأخير رئيس لكل التونسيين بمقتضى الدستور.

الواضح إذن أن انفراج الوضع في تونس ليس وشيكاً وأن سيناريو الكارثة أقرب من فرص الحل، خصوصاً في ضوء غياب جهة قادرة على تجميع التونسيين، حتى أن التجميع أصبح في شريعة البعض «خطيئة وإثماً».

إن أكبر المخاطر هي أن يقع دفع التونسيين، وخاصة الفئات المتوسطة والضعيفة والمهمشين والعاطلين عن العمل وضحايا وباء «كورونا»، إلى حالة من اليأس لا تترك أمامهم من سبيل آخر سوى الانفجار الذي لن يسلم منه أي طرف.. فالمواطن التونسي لم يَعد لديه ما يخسره، ولا ينبغي على الأطراف السياسية التعويل أكثر على صبر التونسيين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات