دلالات موقف ترامب من نتائج الانتخابات

رغم أن بايدن سيتم تنصيبه في العشرين من يناير المقبل، إلا أن الأزمة التي عاشتها الولايات المتحدة منذ الإعلان عن فوزه وحتى كتابة هذه السطور، لا تتعلق بمجرد تعطيل عملية نقل السلطة، ومن ثم فرض أعباء على فريق الرئيس الجديد، وإنما، وهو الأهم، أنها تتعلق بتشكيل وضع خطير، كالقنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في أية لحظة، وترسى سوابق تاريخية لها تأثيرها على المدى الطويل.

فرغم أن ترامب اختفى، في أغلب الأحيان، عن الأنظار منذ الإعلان عن نتيجة الانتخابات، إلا أن الرجل لم يتوقف عن مخاطبة جمهوره على «تويتر» مرات عديدة في اليوم الواحد. فقبل أن يظهر الرئيس الأمريكي على شاشات التلفزيون، الخميس قبل الماضي في مؤتمر صحفي، ثم في حوار عبر الهاتف مع «فوكس نيوز»، كان قد غاب عن الساحة على مدار ثلاثة أسابيع، فلا مؤتمرات صحفية، ولا أحاديث للإعلام، ولا تجمعات جماهيرية كبرى. لكن ما ظل يكتبه ترامب على «تويتر»، وما قاله لاحقاً في المؤتمر الصحفي، ثم في حديثه مع «فوكس نيوز» كان بمثابة رسالة بالغة الخطورة لجمهوره مؤداها أن الأساليب الديمقراطية، مثل الانتخابات، لا تحقق لهم مطالبهم، فها هي الانتخابات قد تم تزويرها.

والواقع أن تلك الرسالة ليست جديدة بالنسبة لترامب، فهو استخدمها قبل الاقتراع العام في حملته الانتخابية الأولى 2016، ثم نفاها وبالقوة ذاتها بعد أن حصل على منصب الرئاسة. ثم عاد ترامب في حملة 2020 يروّج للرسالة نفسها، مؤكداً أنه سيحقق فوزاً كاسحاً ولن يهزمه سوى تزوير الانتخابات ضده. ثم راح يكثف من استخدام تلك الرسالة كلما اقترب موعد الانتخابات. فما إن قررت ولايات عدة أوائل العام، بسبب تفشي فيروس «كورونا»، أن تفتح الباب على مصراعيه للتصويت عبر البريد، حتى راح ترامب وفريقه يشنون حملة واسعة، رسالتها الرئيسية، أن التصويت بالبريد ما هو إلا مؤامرة من الديمقراطيين لسرقة الانتخابات، معتبرين أن التصويت بالبريد يسهّل عملية التلاعب عبر التصويت أكثر من مرة بل «وتصويت الأموات والأطفال» دون وسيلة لكشف تلك الحيل. ورغم أن ذلك لم يحدث أبداً في الولايات التي تجري كل تصويتها بالبريد منذ عقد على الأقل، فإن المجالس الشعبية في الولايات التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري، اتخذت قرارات تمنع الشروع في عدّ الأصوات التي تأتى بالبريد إلا في يوم الانتخابات.

وهو ما كان يعني تأجيل فرز الأصوات بالبريد لما بعد الإعلان عن نتيجة التصويت الذي تم عبر ذهاب الناخبين لصناديق الاقتراع يوم الانتخابات نفسه. ثم شن ترامب حملة واسعة، طالب فيها جمهوره باللجوء للتصويت عبر الذهاب لصناديق الاقتراع، لا بالبريد، الأمر الذي كان معناه أن تبدو النتائج الأولية في صالحه لا في صالح منافسه، لأن ناخبي ترامب هم الأقل اعترافاً بخطورة فيروس «كورونا» المستجد، بينما لجأ أغلب ناخبي منافسه للتصويت بالبريد إيماناً منهم بضرورة تجنب التجمعات.

وقد مكنت تلك الاستراتيجية ترامب من أن يعلن بعد ساعات قليلة من بدء الفرز، أنه قد فاز فعلاً في الانتخابات، وذلك وفق الأصوات التي تم فرزها أولاً، أي أصوات الذين ذهبوا للاقتراع المباشر. لكن ما إن بدأ فرز الأصوات التي أرسلت بالبريد، حتى تبين أن بايدن هو الفائز، خصوصاً في الولايات التي كان من شأنها حسم النتيجة. وقد استغل ترامب وفريقه القانوني ما جرى لإقناع مؤيدي ترامب بأن النتيجة تم تزويرها لصالح منافسه. وبالفعل تبين من استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً أن أغلبية الناخبين الجمهوريين صاروا مقتنعين تماماً بأن الانتخابات قد سرقت منهم، الأمر الذي جعل الجمهوريين بالكونغرس يؤيدون موقف ترامب أو يلتزمون الصمت تجاه رفعه القضية برمتها للقضاء. وذلك هو بالضبط مصدر الخطر، فهو لا يرفع فقط درجة الاستقطاب المجتمعي وينقله لمستويات جديدة، وإنما يقنع جمهور ترامب، المستعد لاستخدام السلاح، بأن الانتخابات قد سرقت منهم. والقصة برمتها ترسي سابقة خطيرة لم تعرفها الولايات المتحدة من قبل، وهي تشكيك رئيس، لم ينجح في إعادة انتخابه، في شرعية من يخلفه، بل وهو الأهم، في العملية الانتخابية نفسها.

* كاتبة مصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات