دروس ما بعد «كورونا»

تغير العديد من المفاهيم خلال أزمة «كورونا»، وبدلت هذه الأزمة العديد من الأولويات في حياتنا، ولن نتناول في مقالنا هذا جميع هذه التغيرات، ولكن سنركز على جانب واحد من هذه التغييرات، ألا وهو ما طرأ على حفلات الزواج، فقد تزوج الآلاف من البشر خلال الجائحة بحفلات بسيطة أو احتفاليات عائلية رمزية، كان لها الأثر الإيجابي لتشجيع الشباب على الزواج، وخففت من المصاريف الباهظة التي تُدفع في مثل هذه المناسبات والتي تثقل كاهل المقبلين على الزواج وتضعهم في أزمات مالية وقروض ومديونيات تعكر صفو حياتهم في المستقبل.

«عرسان كورونا» احتفلوا بهذه المناسبة بحفلات بسيطة أو حتى احتفالية رمزية، والبعض تجاوب مع الحالة التي شكلتها الجائحة من استخدام أنظمة الاتصالات المرئية، واحتفل بهذه المناسبة عن بُعد، والمدعوون كانوا من حول العالم يشاركون العرسان لحظاتهم الخاصة، بينما اكتفى البعض بوضع منشور تم تسميته «إشهار زواج» عبر منصات التواصل الاجتماعي، ليعلن دخوله القفص الذهبي، وهذه الخطوة الإيجابية سهلت على الكثيرين من الإقدام على الزواج، وشجعت الشباب، خاصة وأنها ستوفر عليهم المبالغ الباهظة التي كانوا سيدفعونها لحفلات كبيرة ومكلفة ستسبب لهم المشكلات طوال حياتهم، خصوصاً لأولئك الذين يقترضون من البنوك ليتفاخروا بحفلة زواجهم، وبعد شهر العسل مباشرة يصحون على مصيبة وكارثة وضعوا أنفسهم بها دون أن يدركوا خطورتها على مستقبلهم.

لا أعلم حقيقة إن كان المجتمع سيتعلم من هذه التجربة التي مررنا بها، أم ستمر مرور الكرام وتدريجياً سينسى البشر هذه الأزمة والدروس التي أستفدناها من هذه المرحلة رغم قساوتها، ولا أعلم إن كنا سنعود لنتفاخر لمن يدفع أكثر على حفلات الزواج، ونتباهى بمظاهر خداعة ندفع من خلالها أموالاً طائلة وهي في حقيقتها لا تقدم ولا تؤخر، ولا حتى تجلب السعادة للعروسين، والأصل في الزواج هو البحث عن السعادة والتي يمكن أن تتواجد بأقل وأبسط الأشياء، فقط أن يفكر العروسان بمستقبل أسرتهما قبل أن يفكرا كيف يتفاخران أمام الناس.

لست ممن يدعون لإلغاء حفلات الزواج، ولكن علينا أن ندرك أن الأشياء البسيطة، والتي تتناسب مع قدرة الإنسان المادية هي أفضل الحلول، وعلينا أن نتعلم من تجربة «كورونا» و«أعراس كورونا»، فالزواج لا يقف عند الحفلة فقط، فربما عرسان يدفعون الملايين في هذا اليوم، وفي النهاية ينتهي بهم الحال إلى الطلاق، ونجد أزواجاً آخرين يدفعون ما يستطيعون بحفلة بسيطة ودافئة، يجتمعون فيها مع أهليهم المقربين والأصدقاء، ويعيشون طوال حياتهم سوياً يستذكرون ذاك اليوم السعيد في حياتهم، والأهم من كل هذا، أن على شبابنا وأسرهم أيضاً أن يعوا أن التسهيل والتبسيط في متطلبات العرس سيخدم استقرار الأسرة في المستقبل، ويدفعهم لإنجاز الكثير من أمور حياتهم في المستقبل.

لقد شاهدنا خلال السنوات الماضية الكثير من الدعوات من قبل قادتنا، حفظهم الله، ومطالبتهم للمقبلين على الزواج بتخفيف نفقات الزواج، ولكن البعض يجنح إلى التفاخر والمُفاخرة، ويصمم على إقامة احتفال مبهرج كبير في يوم زواجه، وهذه عادة خاطئة، ولا يوجد فيها أي نوع من المنفعة تعود على مجتمعاتنا، بل على النقيض من ذلك، فكل شخص، حتى وإن كان غير مقتدر مادياً، أصبح يقترض لكي يقيم حفل زواج يتناسب مع ما يريده المحيط من حوله، والبعض يورط نفسه في ديون لكي يزوج أبناءه، وفي النهاية يكتشف أنه كان الأولى مساعدتهم في بناء مستقبلهم وبناء أسرهم بدلاً من المفاخرة وإسراف مبالغ طائلة في يوم واحد فقط.

«عرسان ما بعد كورونا» عليهم أن يختاروا ما يتناسب مع حياتهم المستقبلية، وأن يفكروا ملياً قبل التخطيط لمثل هذا اليوم، وأن لا يثقلوا كاهلهم بالديون والقروض من أجل فرحة قصيرة، وعليهم أن يعلموا أن الفرح دخل قلوباً كثيرة بحفلات بسيطة أو معتدلة، أو حتى من دون حفلات زواج، فالفرح يُصنع بالدفئ والمحبة والاتزان، ولا يمكن أن نصنعه بالمباهاة والمظاهر الخادعة، ولتكن تجربة «كورونا» درساً عملياً لتغيير الكثير من المفاهيم والعادات المغلوطة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات