العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تونس على مشارف الهاوية السياسية

    تتّجه تونس إلى وضعية اقتصادية واجتماعية وسياسية غير مسبوقة في درجة تأزّمها. ومع الانفجار الكبير في رقعة ونسق الاحتجاجات والحراك المجتمعي في المحافظات، وفِي عدد من القطاعات الاقتصادية، بدا من الواضح أنّ الوضع بدأ يخرج عن سيطرة الحكومة، ويهدّد بصورة جدّية، استمرار الحكومة الحالية التي يرأسها هشام المشيشي.

    وقد بدأت الأصوات تتعالى، لتنبّه بأنّ حجم هذه الاحتجاجات، والحاملة لمطالب لا قِبَلَ للحكومة بتلبيتها، لن تكتفي بإسقاط الحكومة الحالية، بل إنّ استمرار الدولة بمؤسّساتها مهدّد هو الآخر، وهو ما يؤشّر إلى انهيار وشيك للمرفق العام وللخدمات، وهو المؤشّر الذي يؤكّد أنّ تونس دخلت مرحلة خطيرة، من أزمة شاملة، قد يستحيل على الحكومة وعلى باقي مؤسّسات الدولة احتواؤها والسيطرة عليها.

    وقد لخّصت الباحثة في علم الاجتماع، فتحية السعيدي، في تدوينة لها، الوضع الكارثي في تونس، ونسوق ما كتبته بتصرّف: «.. برلمان عاجز، نتيجة التجاذبات السياسية وصراع المصالح، وحكومة تتقاذفها رياح عاتية، ورئاسة جمهورية بلا رؤية، ولا ثبات لها على أرض، وقضاء متخاصم مع بعضه البعض، وأحزاب تتآكل وتتهاوى تحت تأثير ضربات أزماتها الداخلية، فساد يوسِّع باطراد نطاق نفوذه، وإعلام تائه بين الجميع، وفِي حالة غليان، واقتصاد متعثّر ومعطّل، بمؤشّرات كارثية وغير مسبوقة، وإفلاس يلوح في الأُفُقِ، ومنظّمات أهلية طالها الخراب والفساد، وكفّت أن تكون من أسباب مناعة المجتمع والدولة، وشعب أنهكته الأزمات والتدهور المخيف لقدرته المعيشية».

    وللأسف، فإنّ هذه الصورة القاتمة، تعبّر بصدق ووضوح، عن حقيقة ما يجري في تونس، وهو ما يدفع إلى طرح سؤال أساسي: «من له مصلحة في استمرار هذه الأزمة، وهذا الحراك الاحتجاجي المجتمعي المتعاظم؟!».

    إنّ المتمعّن في مجريات الأمور في تونس، منذ 2011، يعاين بشكل جليّ، عديد الحقائق والمسلّمات:

    أوّلاً، يلاحظ وبوضوح أنّ السّمة الأساسية التي طبعت الوضع السياسي في تونس، هي الأزمة السياسية الناجمة عن طبيعة القوانين المنظّمة للحُكْمِ وللحياة السياسية، وتحديداً القانون الانتخابي، والنظام السياسي الهجين، الذي افتقد لآليات الحسم بين السّلطات عموماً، وصُلب السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئاسة الحكومة.

    ثانياً، يقف المتابع للشّأن التونسي، على حقيقة غير قابلة للتشكيك، وهي أنّ أغلب الحكومات التسع التي تداولت على السلطة منذ 2011، افتقد أغلب عناصرها للخبرة والكفاءة لتسيير الشّأن العام، فضلاً عن انخراط هذه الحكومات في أجندات دول أجنبية، وفِي سياسة المحاور، وذلك بتأثير وضغط مباشرين من حركة «النهضة» الإخوانية.

    ثالثاً، يرصد المتابع للوضع في تونس، التآكل التدريجي لسلطة الدولة، ورضوخها المستمرّ للحراك الاحتجاجي، ولـ «سلطة الشّارع»، وهو ما أضعف مؤسّساتها، وقوّى التيّارات المتطرّفة على اختلافها وتناقضاتها، وهي تيّارات مكّنت «النهضة» من مناعة إضافية، سهّلت عليها التحكّم في السلطة، وفِي المشهد السياسي، حتّى في فترات أزمتها الداخلية الحادّة.

    رابعاً، بدا من البيّن أيضاً، أنّ الطابع العقلاني في السّياسة، ترك مكانه للمدّ الشّعبوي العقيم، وهو ما غيّب أصوات الحكمة والاعتدال والتسامح، وخلق أرضية مناسبة لأصحاب الفكر المتطرّف، كي يفرضوا على المجتمع قوانينهم.

    خامساً، تأكّد أنّ من يدفع في اتّجاه تأزيم الوضع في تونس بشكل أكبر، هي حركة «النهضة»، التي تعتقد أنّ تنظيم الحراك المجتمعي في حدود ما قد يمكّنها من التغطية على أزمتها الداخلية المحتدّة، وكذلك قد يمهّد الضغط على الحكومة لإسقاطها، بما يستجيب جزئياً لمطالب المعارضة الداخلية لرئيس الحركة راشد الغنّوشي، ولكنّ التحكّم في هذا الوضع غير مضمون، وقد يؤدّي إلى انهيار كامل للدولة.

    إنّ الوضع في تونس دقيق ومفتوح على المجهول، وإنّ الأطراف السياسية الفاعلة، تتحرّك فقط وِفْقَ مصالحها الضيّقة، وهي أسقطت منذ زمن المصلحة العليا للوطن من حساباتها.

    وبالنظر لمّا يحدث في الجارة ليبيا، التي تتّجه إلى أشباه الحلول التي جُرّبت في العراق، وفِي غيرها من الدول، وثبت طابعها الكارثي على المجتمع، وهي حلول فرضتها الوصاية الدولية، في غياب التوافق الوطني الجدّي، ولا يمكنها بالتالي تحقيق الاستقرار في ليبيا، الذي هو ضروري لتأمين قدر من الاستقرار في تونس، وبالنظر لكلّ هذا، وللفوضى السائدة في الداخل التونسي، فإنّ ملامح المستقبل تبدو حالكة.

     

     

    طباعة Email