اللغة العربية وعاء الفكر السامي

تعدّ اللغة العربية من أقدم اللغات في العالم، وهي أكثرها قُدرةً على البقاء، اغترفت العربية أصولها القديمة من أصلين هما لغة القبائل العدنانية التي قطنت شمالَ الجزيرة العربية ولغة القبائل القحطانية التي انتشرت بين جنوب الجزيرة وشمالها.

كانت اللغة العربية المشتركة هي لغة الحوار بين عموم العرب، ولغة الخطابة والمفاخرات والشعر، ثم أصبحت اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وكان هنالك لغاتٌ للقبائل (لهجات) تتفاوت فصاحتها بمدى قربها من اللغة المشتركة.

ذكر القرآن الكريم أنّه أُنزِلَ بلسان عربي مبين في إحدَى عشرةَ آية، ويكمُنُ السرُّ في فصاحة اللغة العربية وشموليتها واعتبارها لغةً كونيّة، أنّ القرآن لم يُخصصْ للعرب وحدهم، وإنّما جاء مخاطباً جميعَ الناس أينما كانوا، وعلى اختلاف أعراقهم وألوانهم، لهذا تراه يقول: «يا أيُّها الناسُ»، وقد تحدّث عن كلِّ شيءٍ حولَهم؛ تحدث عن الكائنات والمخلوقات المختلفة، والأجْرام السماوية وغيرها، وكل هذا يُبْرِزُ عظمةَ اللغة العربية وعلوَّ شأنِها.

نالتْ اللغة العربية بعد أنْ نزل القرآن بها خدمةً واسعة، وزادتْ تمكيناً وترسيخاً وانتشاراً، ودُوِّنتْ بها العقيدة والأخلاق والقيم والعلوم والآداب، واشتملت على الحقائق المتعلقة بقصص الأنبياء، وتاريخ الأرض والكون، وغذّاها القرآن بِبُنى مُصطلحية عميقة، أصبحت مكسبًا للغة العربية، فهناك ما يقرب من أربعة آلاف مصطلح قرآني عربي عميق، تحملُ قِيَمًا عقائدية وروحية وأخلاقية، وغدت اللغة العربية شِئْنا أم أبينا مخزنًا واسعاً للثقافة، ووعاءً كبيراً للفكر في مختلف تجلياته.

اتسمت اللغة العربية بأنّها أغنَى لغة على مَرِّ التاريخ بالمفردات، إذ يبلغ عدد كلماتها ما يفوق اثني عشرَ مليونًا من الكلمات، ولهذا لا يعوزها أنْ تستوعبَ ما يترجمُ إليها، ومقارنة باللغات الأخرى فالإنجليزية يبلغ عدد كلماتها 600 ألف كلمة، وتحتوي الفرنسية على 150 ألف كلمة، أما الروسية فلديها 130 ألف كلمة، ناهيك عن أنّ اللغة العربيةَ لغةٌ غنية بالمرادفات؛ فمثلاً للعسل في مختلف أحواله 80 اسماً منها الشُّهْدُ، والذَوب، والضَّرِب، والشَّرْو، والرحيق، والأَرْي، والجنَى، والماذي، والسلوى، وغيرها، وللأسد قريبا من 500 اسم منها: ليثٌ، وغِضَنْفر، وجسّاس، وضِرغام، ودوكس، وشدْقَم، وفرفار، وقَشعم، ورِئْبال... وللسيف 1500 اسم، وللناقة 1000 اسم.

ولقد استعارت اللغات من اللغة العربية كلماتٍ كثيرةً وأضافتها إلى مفرداتها، ففي اللغة الأوردية ما يزيد عن 7 آلاف كلمة عربية، هناك آلاف من الكلمات العربية في الكردية والتركية والفارسية، وفي الإنجليزية 160 كلمة أصلها من اللغة العربية.

يعيش في الوقت الحاضر على كوكب الأرض قريبا من 7 مليارات شخص، يتكلمون بلغات كثيرة مختلفة، وقد حلّت اللغة العربية في المركز الرابع من حيث عدد الناس الذين يتكلمون بها، أي ما يقارب 467 مليون شخص يعتمدون العربية لغة أساسية، وإنّ عدد الدول التي يتحدث سكانها باللغة العربية هي 60 دولة، منها 22 دولة عربية، وأينما ارتفع الأذانُ وجدت اللغة العربية لها مكاناً، ولهذا فهي من أكثر اللغات انتشاراً في العالم.

وهنا يطيبُ لنا أنْ ندعوَ كلَّ ناطقٍ بالعربية ومنتسب إلى أهلها أينما كان أنْ يفخرَ باستخدامه لهذه اللغة الراقية المُعبِّرة عن كل مُمْكِن بفصاحةٍ وبهاء ونقاء وجمال، وبِـبَيانٍ يقلُّ نظيره بين اللغات، ولا يتباهَى بِــلَـيِّ اللسان بألفاظٍ من لغاتٍ أُخرى، وألّا يشعرَ بالنقص فيكمِّله باستعارة ألفاظ من سواها، فكلُّ شيءٍ مُستَعار يدل على حاجة المستعير ونقص ما عنده، كما أنّ اللغة العربية لغةٌ تتسم بالحياة والحيوية وتغارُ من استخدام سواها.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات