نحو إعادة تشكّل المشهد السياسي في تونس

جاءت نتائج استطلاعات الرأي الشهرية في تونس لتؤكّد مرة أخرى أنّ حركة «النهضة» الإخوانية في تراجع مستمرّ، وذلك بتسجيلها 17 في المئة من نوايا التصويت مقابل 35.4 في المئة للحزب الدستوري الحرّ الذي ترأسه عبير موسى.

وقد حصد حزب «ائتلاف الكرامة» الإسلامي والقريب فكرياً وعقائدياً وسياسياً من «النهضة»، 8.8 في المئة من نوايا التصويت مسجّلاً بذلك تقدّماً مهمّاً يعتقد المتابعون أنّه كان على حساب الحركة الأمّ «النهضة»، وذلك نتيجة التجاذبات والصّراعات التي تنخر داخلها بما يهدّد فعلياً انعقاد مؤتمرها المقرّر تنظيمه قبل نهاية العام الحالي.

وبحسب نتائج استطلاع الرّأي، الذي قامت به مؤسّسة «سيغما كونساي» المختصّة بالتعاون مع صحيفة «المغرب» التونسية، فإنّ حزب «قلب تونس» الذي يتزّعمه نبيل القروي، المرشّح السابق لانتخابات الرئاسة، جاء ثالثاً بحيازته 9.6 من نوايا التصويت، ويذكر أنّ «قلب تونس» هو حليف «النهضة» في الحكومة الحالية إلى حدّ الآن.

حزب «التيّار الديمقراطي» من جهته، والذي كان حليفاً سابقاً لـ«النّهضة» جاء في المرتبة الخامسة بـ5.9 في المئة من نوايا التصويت.

ويأتي استطلاع الرّأي هذا في وقت يشهد فيه التحالف الحاكم الحالي بداية تصدّع يهدّد استمرار الحكومة الحالية التي يرأسها هشام المشيشي، بالتزامن مع الأزمة الداخلية الحادّة وغير المسبوقة التي تشهدها «النهضة»، المتحكّم الفعلي في المشهد السياسي والحكومي.

وأمّا عن تصدّع التحالف الحاكم، فقد كان منتظراً لأنّه كان في الأصل التقاء انتهازياً ومصلحياً بين أطراف حزبية لا رابط برامجياً وسياسياً بينها، ولعلّ الأزمة الحالية صلب المنظومة القضائية هي أهمّ المظاهر المعلنة لهذا التصدّع.

ويشهد القضاء التونسي حالياً تجاذبات كبيرة جرّاء تنازع الولاءات الذي أثّر على أدائه، وهو صراع أضحى موضوع وسائل الإعلام وفضاءات التواصل الاجتماعي.

ويبدو أنّ حركة «النهضة» الإخوانية برئاسة راشد الغنّوشي بصدد إعادة النظر في تحالفاتها بما يستجيب لأمرين اثنين، أوّلهما الأزمة الداخلية التي تعصف بسلطة الغنّوشي على الحزب، وأمّا العامل الثاني فهو الصعود الصاروخي للحزب الدستوري الحرّ الذي لا يُخفي عداءه لجماعات «الإسلام السياسي».

ويبدو أنّ الغنّوشي يجد صعوبة كبرى في السيطرة على الأزمة الداخلية لحزبه بما يمكّنه من مواجهة مدّ الحزب الدستوري الحرّ.

القيادي النهضاوي المستقيل من مهامه عبد الحميد الجلاصي، قال في تصريح له أخيراً إنّ «النهضة في منعرج خطير» نتيجة الأزمة التنظيمية التي تعيشها، والتي محورها استمرار الغنّوشي على رأس الحزب من عدمه، معتبراً أنّ تكريس مبدأ التداول قد يجنّب الحزب «خسارة المعركة الأخلاقية».

وما أتاه عبد الحميد الجلاصي من قول ليس عملاً معزولاً، فقد تكرّرت مثل هذا الأقوال على لسان عدد من المعارضين لسياسات الغنّوشي ولتحالفاته.

الصّراع إذن على أشدّه داخل «النهصة»، وبين «النهضة» والحزب الدستوري الحرّ وباقي الأحزاب المعارضة، وكذلك داخل التحالف الحاكم، وتحديداً بين «النهضة» وحزب «قلب تونس» الذي يرفض الشقّ المعارض للغنّوشي داخل «النهضة» كلّ إمكانية تحالف أو تعامل معه، وهو ما قد يدفع الغنّوشي إلى التضحية به لتخفيف وطأة المعارضة الداخلية له، والشواهد على ذلك كثيرة.

ومن المضحكات المبكيات أنّ هذا المشهد الحزبي برمّته لا يحتكم سوى على 25.6 في المئة من مجموع الناخبين، فقد أظهر استطلاع الرّأي آنف الذكر ذاته، أنّ نسبة العزوف عن إبداء الرّأي في الانتخابات التشريعية تبلغ 74.4 في المئة من مجموع الناخبين، مقابل 56.2 في الانتخابات الرئاسية.

إنّ انحسار الصّراع بين مجمل الأحزاب في ربع الجسم الانتخابي، وبلوغ نسبة العزوف والتردّد هذا المستوى القياسي يدلّل بوضوح أنّ هذا المشهد الحزبي والسياسي الحالي وصل إلى نهايته.

وإنّ انقلاب موازين القوى ضدّ «النهضة» الإخوانية داخل ربع الجسم الانتخابي قد يكون أمراً محموداً، بحسب أطراف النزاع الحزبي والسياسي، لكنّه لن يحلّ إشكال الحُكْمِ في ضوء تواصل استقالة التونسيين وعزوفهم عن متابعة الشّأن العام وممارسة التأثير المناسب لتغيير الأوضاع لما فيه خير الوطن والمواطن.

إنّ هذا الواقع العليل يستوجب ضرورة إعادة تشكيل المشهدين الحزبي والسياسي بما يسهّل بروز قطب أو أقطاب سياسية جديدة، تستجيب لطموحات المواطن التونسي الذي ضاقت به فرص الحياة، ودخل في دوّامة اليأس الذي قد يقوده إلى سلوكيات التطرّف وأشياء أخرى.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات