ما الذي يحدث في واشنطن؟

حالة غريبة تشهدها السياسة الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية، فبعد الحالة النادرة من الندية والتهكم التي شهدناها خلال الحملات الانتخابية لكلا المرشحين (ترامب، وبايدن)، وبعد انتخابات وصفها ترامب بأنها مزورة، ها نحن اليوم نشهد بأن هناك حكومتين في واشنطن، حكومة ترامب التي لم تنتهِ فترته الرئاسية، ويلجأ للقضاء لإثبات أن هناك تزويراً قد حصل في الانتخابات، وحكومة بايدن الذي أعلن فوزه بالانتخابات وبدأ يعمل بموجب هذا الإعلان استعداداً لتولّي منصب الرئاسة، وهذه حالة نادرة لم نشهدها في أمريكا من قبل، ولم نكن نتوقع أن نشاهد كل هذا التشتت في دولة الحريات والقانون والدستور، فما الذي يحدث؟

حالة الجدل التي تسود أمريكا منذ شهور لم تنتهِ عند حدود الانتخابات، بل شاهدنا قبل أيام خروج مئات الآلاف من أنصار ترامب إلى الشوارع مطالبين بعدم الاعتراف ببايدن رئيساً، ويستمر الجدل مع هذه الخطوة التي تُعد خطيرة على الداخل الأمريكي، فهذا الانقسام الشعبي والحزبي والأيديولوجي والعرقي لم يكن موجوداً من قبل بهذه الصورة الطاغية، وكانت الانتخابات إجراءً يمر بشكل عادي ولم تصل ولم تتطور لتصبح بهذا الشكل الغريب من الانقسام وأعمال العنف، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هناك أزمة أعمق من ترامب وبايدن، وما نشهده اليوم هو حالة تهدد مستقبل أمريكا، وتضعها على المحك، فإما أن تجد حلاً لهذا الانقسام أو يتعمق هذا الشرخ ليصبح أمراً مقلقاً للأمن والاستقرار الداخلي.

كنا نتغنى بالأجواء الديمقراطية للانتخابات الأمريكية، وبالطريقة التي تدار من خلالها الحملات الانتخابية، ولكن ما حصل في هذه الانتخابات لم يكن أمراً يدعونا للاستمرار بالانبهار بالديمقراطية الأمريكية، فخروج الحريات عن حدها لم يكن يوماً مدعاة للإعجاب، بل على العكس، فحينما تتخطى الحريات حاجز الأمن وتتحول للعنف بمختلف أشكاله وأنواعه ودرجاته، فحينها تتحول الحريات لمدعاة للاستهجان، وهذا ما حصل ونحن نشاهد المشهد الأمريكي خلال هذه الفترة.

أمريكا أرض الحريات، أو «أرض الأحلام» كما يحب أن يسميها البعض، ولكن إن استمر الوضع المتأجج في الشوارع، وخروج المظاهر التعبيرية عن حدودها السلمية، وتحولها لأعمال عنف كما شاهدنا خلال أزمة مقتل جورج فلوريد، فحينها ستتبخر الأحلام وتنكشف أمريكا على عصر الأوهام، وهذا الأمر ليس ببعيد، فخلال الأيام الماضية شاهدنا بعض أعمال العنف هنا وهناك، وكأن الشارع الأمريكي يغلي بالعنف والكراهية، وقد يقول قائل إن هذا الأمر مجرد موجة وأزمة وسوف تنتهي قريباً، ووجهة النظر هذه ربما تكون صحيحة، ولكن ستنتهي هذه الموجة إذا تم القضاء على أسبابها، ولكن إن تم تناسي أسبابها فستعود كلما سنحت الفرصة وكلما تطورت الأحداث.

ما دعاني لكتابة هذا المقال هو أن ما يجري في أمريكا حالة نادرة، كنا نرى بأنها مستحيلة في دولة سادتها الحريات والديمقراطية سنين طوال، وكأننا نرى سقوط هذا النموذج أو مرضه على الأقل لحين استعادة عافيته في قادم الأيام، رغم أن العافية لن ينالها الداخل الأمريكي بعد حسم السباق الانتخابي، إنما يحتاج الأمر لإعادة تسوية الأوضاع بالداخل وإنهاء حالة الانقسام.

ما يحدث اليوم في واشنطن يجعلنا نفكر بالأسباب التي آلت بها إلى هذا الوضع، وكنا نتصور أن هذه الديمقراطية الحديثة التي تستحق الإشادة وتستحق التعلم منها، لن تشوبها شائبة، ولكن اليوم، بات هذا الأمر على المحك فانكسرت الصورة وتلوّث النموذج.

العنصرية والكراهية والتمييز آفة على المجتمعات مهما كانت متصالحة مع نفسها، فعندما تتحزب وتكره الآخر فتتحول لأداة فتاكة تفوق جميع الأسلحة، وما يحدث اليوم في أمريكا من كراهية وانقسام يمكن أن يدمر سنوات من البناء في عالم الحريات والديمقراطية والعمل المؤسسي، وهذا درس كبير يبين لنا حجم تأثير العنصرية ومخاطرها، فمهما كانت صغيرة، إلا أنها ستكبر مع الزمن، وستجد من يستغلها ليصل لأهدافه، ولذا يجب أن نتعلم من هذه التجربة. أمريكا تختنق بالعنصرية والكراهية، ويجب على السياسيين تطويق الأمر قبل فوات الأوان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات