عزوف الشباب عن نصفهم الآخر

(الزواج أولاً)، كلمةٌ نراها جديرةً بالصدارة هنا، إذ لولا الزواج لمَا كان للبشر أن ينتشروا في الأرض ويعمروها، وأصل الزواج يكون بالاقتران الشرعي بين الذكر والأنثى، بالمهر الميسّر، وأمّا ما غدت تستلزمه العادات الشعبية، فمجرد إضافات يلهو بها الناس ويتفاخرون، ولا جدوى منها غير تحمّلِ النفقات الزائدة، التي تُعد من البذخ المنهي عنه، قال الله تعالى:

(ولا تسرفوا إنّه لا يحبّ المسرفين)، والرسول الكريم يحض على الزواج: (تزوجوا الودودَ الولود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يومَ القيامة)، أمّا العراقيل التي تعيق الزواج، فيصنعها المجتمع عن غفلةٍ، ويدعو إليها التباهي في التكاليف التي لا ضرورة لها.

أمّا عزوف الشباب عن الزواج، فظاهرةٌ تقلق المختصِّين بالتوازن الأسري والمجتمعي، وعند البحث في هذه الظاهرة، ومحاولة تجاوز أثرها السلبي في المجتمع، تبـيّنَ أنّ التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، كانت وراء أبرز أسباب عزوف الشباب عن الزواج، بما تبنَّتْ من غلاء المهور، وارتفاع تكاليف الزواج، ما غدا شبحاً يطارد أي شاب يرغب في الزواج، ولذا، ارتفعت نسبة العنوسة الوطنية، وزاد الزواج من جنسيات أجنبية، إلى حدٍّ ينذر بخلل اجتماعي مستقبلي، يتمثّل في اختلال تجانس التركيبة السكانية، والتأثير في لغة الأجيال القادمة، والعادات والتقاليد والهوية، في الوقت الذي تعد فيه المحافظةُ على التركيبة السكانية النوعية والكمية، مهمّـةً جدّاً لأي دولة.

الوضع الحالي: تغيرتْ بعض العادات، بفضل الحجْر الجزئي المرافق لجائحة «كورونا»، ما أدّى إلى الاستفاقة بعد غيبوبة دامت سنين طويلة، في معاناة غلاء المهور، وارتفاع تكاليف حفل الزفاف، ولقد شجع حجر الاحتفالات في القاعات العامة، عدداً كبيراً من الشباب أنْ يُقْدِموا على الزواج بحفل زفافٍ يسير التكلفة، مقتصر على أفراد العائلة، فتمكن الشباب من النجاة من القروض البنكية القاسية، وغدت الحياة الأسرية سعيدةً، تملؤها البركة، لما تخلصت من المصروفات الباهظة، ومظاهر التفاخر التي لا تُسْمِنُ ولا تغني من جوع.

وبالرجوع لنِسَبِ عقود الزواج التي تمت بعد «كورونا»، منذ بداية العام حتى نهاية شهر أغسطس 2020 م، فإنها في إمارة دبي ارتفعت إلى 2715 عقد زواج، وهذا يشير بوضوح إلى أنّ المجتمع كان يعاني من ظاهرة المغالاة، ويبشر بارتفاع نسبة الزواج بلا ديون، ويقلل من العنوسة الأليمة، التي كانت بسبب ارتفاع النفقات.

كما يبشر بإزالة الفوارق الاجتماعية، التي كانت تؤدي إلى تنافس الأسر على التباهي بالولائم الفخمة، وطول قائمة المصروفات على حفل الزفاف، والعودة إلى ما حثّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، بقوله: «أقَلُّهُنَّ مَهراً أكثرهنَّ بَرَكَةً».

ونقفُ هنا لنستذكرَ مقولةَ مؤسس الدولة، الشيخ زايد، طيب الله ثراه، حين قال: «إنّ المغالاة في المهور والإسراف في مظاهر الاحتفال بالزواج، وكل ما يرهق الشباب، وهُم في مُقْتبل حياتهم الأسرية، أمورٌ ليس لها مبررٌ، ولا تتفقُ مع مبادئ شريعتِنا الإسلامية الغرّاءِ، فضلاً عن أنّها تتنافَـى مع تقاليدنا وعاداتنا الأصيلة».

والمغالاة بالمهور، لا تدلُّ على علو حَسَبٍ ولا نسب، والزواج بمهرٍ ميسورِ، مطلوبٌ اجتماعيّاً، ومستحبٌّ شرعاً، قال الرسول (ص): «إنّ مِن يُمْنِ المرأةِ، تيسيرَ خطبتِها، وتيسيرَ صَداقِها، وتيسيرَ رَحِمِها».

أيّها الأبُ، ابنتك أمانة، فيسِّرْ زواجها، وخير الصداق أيسره، ويشترط في المهر، أنْ يكونَ ذا قيمة، بِغضِّ النظرِ عن القلة والكثرة.

* مدير جامعة الوصل

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات